الساعة 00:00 م
الإثنين 15 يونيو 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
3.9 جنيه إسترليني
4.12 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.38 يورو
2.92 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

مستوطنون يحرقون أراض ويعتدون على المواطنين في المسعودية

"غزة مُبـاشِـر".. شهيـدان و3 إصابات في 3 خروقـات إسرائيليـة جديـدة

الاحتلال يعتقل 13 فلسطينيًا خلال اقتحامات بالضفة الغربية

العروب خلف البوابات الحديدية.. حصار يومي ومعاناة لا تنتهي

حوار حين تصبح الحياة عقابًا مستمرًا.. مأساة الأسيرات كما روتها شهد حسن

حجم الخط
الأسيرة شهد حسن
رام الله - وكالة سند للأنباء

في سجون الاحتلال الإسرائيلي، تعيش الأسيرات الفلسطينيات ظروف اعتقال قاسية وحرمانًا متواصلًا، حيث تُقاس الكرامة بالبقاء؛ من التفتيش العاري إلى الحرمان من الغذاء والنظافة، تمتد معاناتهن يوميًا بلا توقف.

لتقريب الصورة من الواقع، تستعرض "وكالة سند للأنباء" في هذا التقرير شهادة الأسيرة المحررة شهد ماجد حسن، التي أمضت ثمانية أشهر في سجن "الدامون".

شهد ابنة الـ 23 ربيعًا اختبرت الحياة خلف القضبان منذ لحظة اعتقالها، مرورًا بالروتين اليومي القاسي، والحرمان من الغذاء والنظافة، والإذلال المستمر، وصولًا إلى لحظة الإفراج التي كانت تتويجًا لصبرها وثباتها.

1.jpg

تبدأ شهد ماجد حسن، من مدينة رام الله وسط الضفة الغربية، بسرد لحظة القبض عليها: "اعتقالي كان صادمًا، طريقة الاعتقال كانت صعبة، فتحت عيوني فجر الخامس من رمضان الموافق 5 آذار/ مارس 2025 ورأيت الجنود في غرفتي قادمين نحوي، وأختي تقول "جيش جيش".

وتشير إلى أنّه عند اقتحام جنود الاحتلال للمنزل وحتى أن أُبلغت بأمر اعتقالها، كانت غير محجبة، وعندها أُتيح لها ارتداء الحجاب.

ثم جرى تحويلها للاعتقال الإداري دون تهمة، مع مفاجأة إضافية بأن الاعتقال جاء على خلفية عملها الطلابي في الجامعة، رغم أنها تخرجت منذ أكثر من عام وتعمل في وظيفة مستقلة.

3.jpg

حياة القبر.. الروتين اليومي داخل الدامون

داخل ما تصفه شهد بـ "مقابر الأحياء"، خلف الأسوار العالية والأبواب الحديدية، واجهت روتينًا قاتلًا يوميًا.

تقول: "كنا نعيش نمطًا متكررًا لا يتغير، كل شيء مدروس حتى نحافظ على حالة استقرار سيء. كنا محبوسين في مكان مغلق 23 ساعة يوميًا، وإذا تم معاقبتنا، نظل بالغرفة 24 ساعة دون السماح لنا بالاستحمام. هذا الروتين يجعل الحياة داخل السجن تشبه القبر."

وكانت ضيفتنا مضطرة للنوم بملابس الصلاة خشية اقتحام الجنود للغرف فجأة.

وتصف شهد وضع الطعام في السجن: "الطعام عبارة عن بقوليات، أربعة أيام بالأسبوع نأكل بقوليات، شوربات رديئة ونصف استواء، والبروتين عبارة عن بيضة مسلوقة على العشاء أو تونا أو قطعة لحم، وكله رديء ولا يصلح للأكل الآدمي.. جميع الأسيرات فقدن أوزانهن، حيث خسرت من وزني 10 كيلو وهناك من خسرن 30 كيلو".

5.jpg

وتواصل شهد حديثها: "كانوا يقدمون الطعام على الأرض ويدفعونه بأرجلهم. حاولت التماسك أمام هذه المواقف، لكن كان يحزنني رؤية أمهات كبيرات السن وأسيرات يضطررن لتناول الطعام بهذه الطريقة المهينة".

وتشير إلى أنّ كل حركة للأسيرات كانت مراقبة، حتى ضحكاتهن وكل تصرف يخضع للمحاسبة. ممنوع النظر للسجانات عند اقتحام الغرف، أو طلب أي شيء، "وفعليًا كانوا يعاقبوننا مرات عديدة لمجرد سماع صوت ضحك أو لأي سبب تافه".

4.jpg

تلذذ بإهانة الأسيرات..

وتتحدث شهد عن معاناتهن مع النظافة خلال فترة الدورة الشهرية: "النظافة الشخصية، خصوصًا خلال هذه الفترة، كانت صعبة جدًا وتشكل رعبًا حقيقيًا. الفوط الصحية قليلة جدًا ومن النوع الرديء، واضطرت الأسيرات لاستخدام عدة قطع في وقت واحد. وحتى مواد التنظيف مثل الشامبو والصابون كانت بكميات قليلة جدًا لا تكفي".

وتضيف شهد موقفًا يوضح الإهانة والتحكم الممارس من قبل إدارة السجن: "في إحدى المرات، طلبت أسيرة فوطًا صحية، فأخبرها مدير السجن أنه سيسأل زوجته متى تكون الدورة شديدة، ليقرر بعدها كم قطعة سيعطيها لها، ما شكل إهانة كبيرة لنا جميعًا. السجانون كانوا يعرفون مواعيد الدورة لكل أسيرة، وبالتالي كان التحكم بنا مستمرًا ومهينًا".

شهد تنحدر من عائلة عانت من الاعتقال لفترات طويلة، فقد تعرض والدها وأشقاؤها للاعتقال قبل أن تولد، لتكبر في بيت شهد صبر وتجارب الأسر المتلاحقة.

شهر رمضان، الذي يفترض أن يكون مناسبة للفرح والاجتماع العائلي، كان دائمًا رمزًا للغياب والحنين، إذ لم يكتمل يومًا حضور جميع أفراد الأسرة على مائدة الإفطار، لتبقى ذكريات الانقسام والغياب حاضرة حتى بعد الإفراج عنها.

2.jpg

لحظات مؤثرة خلف الأسوار..

وفي حوارها معنا، تروي شهد بعض اللحظات التي تركت أثرًا عميقًا في نفسها خلال فترة الأسر، قائلةً: "من أكثر المواقف التي أثرت بي، الليلة التي استيقظنا فيها على الأسيرة تهاني أبو سرحان، كانت حامل في شهرها التاسع، وكانت على وشك الولادة".

وتتابع: "كانت ملابسها غرقت بمياه الرحم، وكانت تبكي وتتساءل: كيف بدي أولد عندهم، مين رح يكون معي؟ بعد نحو 20 دقيقة جاؤوا لأخذها، وكانت لحظات قاسية جدًا".

وليس هذا فقط، فقد تركت المواقف المتعلقة بالأمهات أثرًا كبيرًا أيضًا في شهد، تحكي لنا: "الأمهات أثرن بي كثيرًا، مثل أمهات طلبة التوجيهي اللواتي جاءت نتائج أبنائهن وهن في الأسر، وأمهات آخرين أبناؤهن بعيدات عنهم.. حكايا الأمهات كانت وجعًا لا ينتهي".

وتضيف: "موقف آخر صعب كان عندما علمت الأسيرة آية الخطيب أن صوت ابنها قد تغيّر وأن شكله اختلف وكبر.. آية، التي عرفناها بصلابتها وثباتها، انهارت وبكت، ونحن جميعًا تأثرنا وبكينا معها".

بعد كل هذه الصعوبات والمعاناة، جاءت لحظة الحرية لتكون تتويجًا لصبر شهد وثباتها، فقد أفرجها في 4 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، وكانت هذه اللحظة بالنسبة لها تجربة لا توصف.

إذ كانت سماعها قرار الإفراج من السجن مشحونة بالعاطفة، وكل تفصيل فيها حمل معه أثرًا كبيرًا، شهد ارتدت الملابس التي قدمتها لها الأسيرات الأخريات عند الإفراج، كل قطعة تحمل قصة وذكرى

عن ذلك تقول: "الجلباب للخالة أم عناد البرغوثي، الشال لريهام موسى، والقمطة للأسيرة القاصر سالي صدقة، والمعصم لتسنيم عودة، والحذاء لبنان أبو الهيجا، والجربان لفاطمة منصور".

وأما اللحظة التي لم تنسها، فهي اللقاء مع عائلتها بعد غياب طويل: "أول خطوة وضعت فيها رجلي على الإسفلت على حاجز برطعة، كانت السماء منظرها مهيب.. انتظرت أهلي، فتحت باب السيارة وركضت نحوهم وحضنتهم، شعرت وكأني أطير".

6.jpg

نافذة على معاناة الأسيرات

بعد استعراض تجربة الأسيرة شهد الحسن، يشير مدير عام نادي الأسير بالضفة الغربية أمجد النجار إلى أنّ في سجن الدامون تتواجد 54 أسيرة، من بينهن 12 معتقلة إداريًا، وأسيرة واحدة من غزة.

ويؤكد النجار لـ "وكالة سند للأنباء" أن أبرز الانتهاكات تتعلق بسياسة التفتيش العاري، والتي تُعد تحرشًا جنسيًا صارخًا، حيث تُجبر الأسيرة على خلع جميع ملابسها، كما يتعرضن لاقتحام شبه أسبوعي للزنازين وتقييدهن لساعات طويلة، مع سحب كل الملابس عدا غيارين فقط.

ويتطرق إلى مرحلة سجن هشارون، التي يمر بها الأسيرات عند اعتقالهن، حيث يتعرضن للشتائم والتنكيل الجسدي، ويُحرمن من الطعام الملائم ويقضين حاجتهن في دلاء، فيما تظل الظروف الصحية والطبية دون أي اهتمام، مما يزيد من معاناتهن اليومية.

ويوضح أنّ الأسيرات يعانين من حرمان كامل من العلاج الطبي، ولا توجد طبيبة نسائية في السجن، وعند الحاجة للعلاج يجب تقديم طلب للمحكمة، وإذا تمت الموافقة تُصحب الأسيرة للعيادة بعد توقيع عدة وثائق، ثم تُعاد إلى الزنزانة، مع إعلام المحكمة بأنها تلقت العلاج.

ويلفت إلى أنّ الأسيرات الأمهات يعانين بشكل مضاعف بسبب الانقطاع الكامل عن أطفالهن، وأن القمع اليومي على أتفه الأسباب جزء من حياتهن المعتادة، ما يعكس حجم المعاناة النفسية والجسدية المستمرة.