أكد رئيس منظمة "القانون من أجل فلسطين" -مقرها لندن- إحسان عادل، أن تقرير المقرّرة الخاصة للأمم المتحدة فرانشيسكا ألبانيزي بشأن تواطؤ الشركات في دعم الاحتلال الإسرائيلي وحملته الإبادية في غزة، يمثل محطة مفصلية من الناحية القانونية والسياسية، لما يحمله من مضامين حساسة وغير مسبوقة.
وأوضح "عادل" في تصريح خاص بـ "وكالة سند للأنباء"، أن أهمية وحساسية التقرير لا تكمن فقط في محتواه، بل تنعكس أيضًا في ردود الفعل عليه، والتي وصلت إلى حد فرض عقوبات شخصية على المقرّرة الخاصة من قِبل الإدارة الأمريكية، بسبب تطرّقه إلى البعد الاقتصادي والتربّحي الداعم للاحتلال.
وأضاف: "رغم صدور مئات التقارير الدولية التي وثقت الجرائم والانتهاكات الإسرائيلية، إلا أن هذا التقرير يتخذ منحى مختلفًا، حيث يُسلّط الضوء على الدور المحوري الذي تلعبه الشركات والمؤسسات الاقتصادية – في مجالات متعددة – في دعم الاحتلال وتعزيز مشروع الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين."
وبيّن أن التقرير لا يكتفي بالتحليل العام، بل يتضمن أسماء شركات بعينها متورطة في هذه الانتهاكات، ما يجعله وثيقة بالغة الأهمية على صعيد المساءلة.
مسؤولية قانونية على الشركات
وفي ما يخص الأثر القانوني للتقرير، أشار عادل إلى أنه يُبرز مسؤولية الشركات والجهات الاقتصادية بوصفها شريكة محتملة في جرائم دولية. وأكد أن ألبانيزي قامت قبل إصدار التقرير بمراسلة تلك الشركات لإشعارها بمسؤولياتها، وهو ما يُعد خطوة قانونية محورية، ترفع الحُجّة وتُسقط ذريعة "عدم العلم".
وأضاف: "لأول مرة، يتحول التركيز من الاحتلال كفاعل مباشر إلى الماكينة الاقتصادية الخاصة التي تُمكّنه من الاستمرار، ما قد يُلحق ضررًا كبيرًا بسمعة هذه الشركات، ويفتح الباب أمام ملاحقتها قضائيًا في الدول التي تنشط فيها."
وأكد أن التقرير يفتح أفقًا جديدًا للنضال القانوني والاقتصادي ضد منظومة الاحتلال، ويضع مسؤولية جديدة على عاتق الجهات المعنية لتحويل مضمونه إلى إجراءات ملموسة.
وفي رده على سؤال "سند" حول كيفية استثمار التقرير، أوضح عادل أن هناك ثلاث مسارات رئيسية: أولها: نشر التقرير على أوسع نطاق، خصوصًا قائمة الشركات المتورطة، ومنها شركات معروفة مثل Booking وAirbnb. واعتبر أن استمرار المستخدمين الفلسطينيين والعرب في التعامل مع هذه الشركات دون إدراك لارتباطها بالاحتلال يُعد مشكلة يجب معالجتها عبر حملات توعوية.
أما المسار الثاني، فيقول الخبير القانوني إنه يتمثل بـ "مراجعة العلاقات التجارية، داعيًا الشركات الفلسطينية والعربية إلى إعادة النظر في علاقاتها وسلاسل التوريد، والتوقف عن التعامل مع أي جهة يثبت ارتباطها بشركات داعمة للاحتلال، أو إنذارها بقطع العلاقات إذا لم تُنهِ ارتباطها".
وثالثًا، يؤكد "ضيف سند" على المتابعة القانونية والمؤسسية، سواء عبر الدول أو مؤسسات المجتمع المدني، لمقاضاة هذه الشركات في البلدان التي تسمح أُطرها القانونية بذلك.
وتابع: "هناك دعاوى قانونية رُفعت بالفعل في دول مثل هولندا وألمانيا، لكن هذه الجهود بحاجة إلى دعم واسع، خاصة على الصعيد المالي، نظرًا لتكاليف التقاضي المرتفعة".
واختتم عادل حديثه بالقول: "إذا نجحنا في مثل هذه القضايا، فإن أثرها سيكون كبيرًا، وقد نصل إلى مرحلة تُلزم فيها الشركات المتورطة بدفع تعويضات للضحايا الفلسطينيين الذين تضرروا من أنشطتها."
وكانت فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، قدّمت تقريرها الأحدث إلى مجلس حقوق الإنسان في يوليو/تموز 2025.
ويركّز التقرير، المعنون "من اقتصاد الاحتلال إلى اقتصاد الإبادة الجماعية"، على الدور الذي تلعبه الشركات في دعم المشروع الاستيطاني الاستعماري الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة، وفي الحملة الجارية للإبادة الجماعية في غزة وتحقيق الأرباح منها.
ويتميّز هذا التقرير عن غيره؛ كونه يكشف الدور الخفي للشركات العالمية في تمويل الاحتلال وتحويله إلى اقتصاد قائم على الإبادة الجماعية في غزة، ما يجعله محطة مفصلية في فضح التواطؤ الدولي.
ويوضح أن الاحتلال لا يقوم فقط بالقوة العسكرية، بل يستند إلى ثلاث مراحل متكاملة: التهجير عبر السلاح والتكنولوجيا والهدم، ثم الاستبدال من خلال المستوطنات والسيطرة على الموارد والسياحة، وأخيرًا التمكين عبر البنوك والاستثمارات والمؤسسات الأكاديمية التي تغذّي المنظومة.
كما يسلّط التقرير الضوء على مسؤولية الشركات بوصفها شركاء محتملين في جرائم دولية، ولم يعد بوسعها الادعاء بجهلها. هذا يفتح الباب لمساءلتها أمام المحاكم الوطنية والدولية، وقد يُلزم بعضها بدفع تعويضات للضحايا الفلسطينيين.
ويدعو تقرير "ألبانيري"، الدول، إلى فرض حظر شامل على السلاح ووقف العلاقات التجارية مع إسرائيل، كما يطالب بمقاضاة الشركات والمدراء التنفيذيين وتعويض الضحايا.
أما على المستوى الشعبي والمؤسسي، فيدعو إلى تعزيز المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات كأدوات ضغط فعّالة.
وأعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الشهر الماضي، فرض عقوبات على "ألبانيزي"، في خطوة جديدة تهدف إلى معاقبة المنتقدين للعدوان الإسرائيلي، في حين دعمت منظمات حقوقية وخبراء بارزون في دراسات الإبادة الجماعية مواقفها، وساندوا مطالبها بوقف العدوان الإسرائيلي ومحاسبة المسؤولين عنه.
وكانت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" قد اعتبرت أن فرض الولايات المتحدة عقوباتٍ على المقررة الأممية المعنية بحقوق الإنسان في فلسطين فرانشيسكا ألبانيزي؛ هو تعبير صارخ عن انحياز الإدارة الأمريكية الفج لجرائم الحرب الاسرائيلية.
ودعت "حماس" القرار استهتار أمريكي بالمؤسسات الأممية وممثليها، وما يصدر عنها من تقارير توثق الكارثة الإنسانية التي صنعها الاحتلال في قطاع غزة.
