جنود مدججين بالسلاح، سحل وتعذيب وتحقيق تحت الضرب، كان هذا الظلام الأخير الذي تسلل إلى عيني "محمد" قبل أن يُفقده الاحتلال بصره بضرب مبرح على رأسه وجسده، لتُسلَب حريته ونور عينيه في لحظة غادرة!
الأسير المحرر محمد أبو فول، أحد الأسرى المفرج عنهم في صفقة "طوفان الأحرار" الثالثة، منتصف أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، تنسم الحرية ورائحة البلاد بعد قضائه 10 أشهر في زنازين العذاب، دون لمحة نور تتسل إليه بعد فقدان مُقلتيه.
ظلام أخيرٌ يروي "أبو فول" تفاصيله لـ"وكالة سند للأنباء"، بعد اعتقاله من مستشفى كمال عدوان شمال قطاع غزة أثناء الاجتياح البري الإسرائيلي في 27 / 12 لعام 2024.
وبذكر تفاصيل تلك الحادثة، يقول "أبو فول" إنه اضطر للبقاء في المستشفى أثناء الاجتياح لعدم مقدرته على الحركة بعد بتر قدمه اليسرى، إلى أن شرع جنود الاحتلال باعتقال المتواجدين في المكان، واقتيادهم إلى مدرسة الفاخورة بصورة مهينة وذليلة.
وعن لحظات النور الأخيرة، يوضح "أبو فول" أن جيش الاحتلال بدأ بالتحقيق مع الشبان تحت الضرب، دون مراعاة مرض أو سن.
صنوفاً من العذاب رآها وذاقها من جيش الاحتلال العنجهي، الذي انهال عليه بالضرب المبرح حتى أخرج الدم من فيهِ وأنفه، وما هي لحظات حتى سقط مغشياً عليه.
وبعد ساعتين من الإغماء، لم يكن "محمد" يعلم أنه على موعد مع ظلام دائم لم يزُل حتى اللحظة، يقول: "عند استيقاظي كانت الرؤية غير واضحة، وأعزي نفسي أنها ضربة ستزول بعد أيام أو أسابيع قصيرة".
وقضى "محمد" 10 شهور في سجون الاحتلال دون أن يبصر نوراً أو يرى لمحةً واحدة، جاء التعذيب الإسرائيلي الذي أفقده نور عينيه تحت التعذيب.
وعن العذاب في السجون، يؤكد أن إدارة السجون تعامل الأسرى معاملة مهينة ذليلة مليئة بالمرض والتعذيب، فتبقي الأسير جالساً على الأرض طوال اليوم دون أن يرفع رأسه أو حتى يستند على جدار أو حائط أو قطعة من الحديد، مضيفاً "يحاولون إخراج الأسرى مجانين".
وتسبب عذاب السجون بآلام مزمنة لـ"محمد" في ظهره بعد الضرب المبرح والجلوس المتعِب، فيما يعاني العشرات من أمراض في الظهر والغضاريف نتيجة هذا الصنف من العذاب.
ويضيف: "بقينا مكبلين حتى وصلنا معبر كرم أبو سالم، تمنيت أشوف أهلي أشوف غزة أشوف حتى الدمار، سمعت صوت أحبتي ويا ليتني استطعت أن أبصرهم من جديد".
ويناشد المحرر محمد أبو فول بالسفر والإجلاء لتلقي العلاج خارج قطاع غزة، ليتسنى له إمكانية إبصار النور مرة أخرى ولو بعين واحدة.
وأفرجت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، الأسبوع الماضي، عن مئات الأسرى الفلسطينيين من سجونها، ضمن صفقة تبادل الأسرى المرتبطة باتفاق وقف إطلاق النار بين حماس و"إسرائيل"، وذلك بعد ساعات من تسليم كتائب القسام 20 أسيرًا إسرائيليًا أحياء للصليب الأحمر في مدينتي غزة وخانيونس.
وشملت عملية الإفراج، 1716 أسيرًا من قطاع غزة، إلى جانب 250 أسيرًا من أصحاب الأحكام المؤبدة في الضفة الغربية والقدس، إضافة إلى بعض الحالات التي سيتم تسليمها إلى الخارج.
تعذيب مهين..
وقال مكتب إعلام الأسرى إن الأسرى المحررين من سجون الاحتلال في غزة خرجوا بأجساد منهكة ووجوه شاحبة، كل واحد منهم يحمل حكاية مأساوية عن سنوات من التعذيب والمعاناة.
وأشار "إعلام الأسرى" في بيانٍ سابق تابعته "وكالة سند للأنباء"، إلى أن الأيام الأخيرة قبل الإفراج كانت الأشد قسوة، وتضمنت ضربًا وتعذيبًا متعمدًا وإيذاء جسدي ونفسي، موضحًا أن هذه الفترة كانت أصعب ما مرّ به الأسرى طوال فترة اعتقالهم.
ونشرت وسائل إعلام إسرائيلية، مقطع فيديو لـ "بن غفير" وهو يتأكد من التنكيل بأسرى من قطاع غزة وهم مقيدون ويجلسون أرضًا بوضعية السجود داخل زنازينهم، مطالبًا بتنفيذ حكم الإعدام بحقهم.
ولم يسلم الأموات من التنكيل والعذاب، فقد سلط إفراج سلطات الاحتلال الإسرائيلي عن جثامين مئات الشهداء في قطاع غزة الضوء على ممارسات التعذيب والإعدامات الميدانية التي تمت داخل منشأة الاحتجاز العسكري "سدي تيمان" في صحراء النقب، والتي يواجه القائمون عليها اتهامات متكررة بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق الأسرى الفلسطينيين.
وأكد أطباء في خان يونس أن الفحوصات الميدانية والرسمية تشير إلى أن الاحتلال ارتكب أعمال قتل وإعدامات ميدانية وتعذيب ممنهج" بحق العديد من الفلسطينيين، مع وجود علامات إطلاق نار عن قرب، وجثث تعرضت للسحق تحت عجلات الدبابات الإسرائيلية.
ويعتقل الاحتلال في سجونه ومراكز التوقيف والتحقيق التابعة له، أكثر من 11 ألفًا و100 أسير؛ بينهم 53 أسيرة وأكثر من 400 طفل، بالإضافة لـ 3544 معتقلًا إداريًا (بدون تهمة).
