لطالما شكّلت جامعة بيرزيت، إلى جانب الجامعات الفلسطينية الأخرى، فضاءً مفتوحًا للأطر الطلابية لممارسة أنشطتها الوطنية والنقابية، ما وضعها في دائرة الاستهداف الإسرائيلي، الذي تصاعد بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة، في مسعى لإخماد دورها الريادي في قيادة العمل النضالي والمقاوم.
وخلال أقل من ساعة، تحوّل حرم جامعة بيرزيت، الواقع شمال رام الله وسط الضفة الغربية، يوم الثلاثاء الماضي، إلى ما يشبه ساحة حرب، بعدما اقتحمته قوات الاحتلال بعدد كبير من الآليات العسكرية، لفض وقفة تضامنية مع الأسرى ورافضة لجرائم الاحتلال.
وجاء الاقتحام في ذروة الدوام الجامعي، بوجود آلاف الطلبة داخل الحرم، ودون أي مراعاة لطبيعة المكان، حيث حطّمت القوات المقتحمة البوابة الرئيسية، وأطلقت الرصاص الحي وقنابل الغاز والصوت بكثافة، ما أسفر عن عشرات الإصابات، بينها خمس إصابات بالرصاص.
وأثار الاقتحام غير المسبوق للجامعة ردود فعل منددة واسعة، وُصف خلالها بأنه اعتداء صارخ على جميع الأعراف والمواثيق الدولية، فيما رأى فيه مراقبون استعراضًا غير متناسب للقوة، يندرج ضمن محاولات الاحتلال إخضاع الإنسان الفلسطيني عبر استهداف قواه المؤثرة.
وقال رئيس الجامعة، طلال شهوان، خلال مؤتمر صحفي عُقد عقب انسحاب قوات الاحتلال، إن "استهداف الجامعة ليس حدثًا عابرًا أو طارئًا، بل هو نهج متكرر تمارسه قوات الاحتلال، غير أن ما جرى اليوم تجاوز كل الحدود، وشكّل تصعيدًا خطيرًا وغير مسبوق".
وأكد شهوان أن هذا الاعتداء يأتي ضمن "منظومة استعمارية ممنهجة" تهدف إلى تعطيل دور الجامعة ومنعها من أداء مهامها الفكرية والتوعوية والوطنية، في سياق أوسع يسعى إلى تجهيل الشعب الفلسطيني، وبثّ الخوف في صفوفه، وكسر إرادته الجماعية.
وشدد على أنه، ورغم كل محاولات الاستهداف، "ستبقى جامعة بيرزيت مساحة للوعي الحر، ومنبرًا للمعرفة، وحاضنةً للإرادة الوطنية التي لا تُكسر".
من جانبه، قال عميد شؤون الطلبة في الجامعة، غسان البرغوثي، إن حرم جامعة بيرزيت، كغيره من الجامعات في الضفة الغربية، شهد اقتحامات متكررة خلال السنوات الماضية، إلا أن هذا الاقتحام كان جديدًا من حيث الحجم والشكل.
ورأى البرغوثي، في حديث لـ "وكالة سند للأنباء"، أن الاحتلال أراد الاستعراض بحجم القوة التي اقتحمت الجامعة، وطريقة انتشارها، وتوقيت الاقتحام، وكمية الذخيرة الحية وقنابل الغاز والصوت التي أُطلقت، خاصة وأن الاحتلال يعلم أن حرم الجامعة يخلو من أي عتاد عسكري.
وأضاف أن الاحتلال سعى إلى إثبات وجوده وقدرته على الوصول إلى أي مكان وفي أي وقت، والتأكيد على عدم وجود حصانة لأي موقع، إلى جانب ترويع الطلبة والموظفين، والتشويش على العملية الأكاديمية، وإيصال رسالة لأسرة الجامعة لثنيها عن أداء رسالتها.
وأشار إلى أن الفترة الأخيرة شهدت تزايدًا في ضغوطات الاحتلال بمختلف أنحاء الضفة الغربية، وكانت جامعة بيرزيت وبقية الجامعات من بين الساحات المستهدفة بهذه الضغوطات.
وتوقّع البرغوثي ازدياد التحديات والضغوط في ظل الواقع الراهن، لكنه شدد على أن الاحتلال لن ينجح في تحقيق أهدافه من هذا الاقتحام.
ولفت إلى أن الرد كان واضحًا منذ اللحظة الأولى لانسحاب الجيش من داخل الحرم الجامعي، عبر استئناف العملية الأكاديمية بشكل طبيعي، مؤكدًا أنّ جامعة بيرزيت ستواصل أداء رسالتها كما فعلت طوال السنوات الماضية منذ تأسيسها.
الصمود الفلسطيني.. الرهان الحاسم
بدوره، ربط الكاتب والصحفي محمد القيق ما جرى في بيرزيت بما حدث قبل أسابيع من اقتحام جامعة القدس في أبو ديس شرق القدس، وما يجري ميدانيًا من عمليات اعتقال وترهيب مكثفة تستهدف طلبة الجامعات.
وقال القيق، في حديث لـ "وكالة سند للأنباء"، إنّ مشهد بيرزيت لا يخص تنظيمًا سياسيًا بعينه أو جامعة محددة، بل يعكس واقعًا عامًا يشمل جميع الجامعات الفلسطينية، بهدف منع أي عمل سياسي أو حاضنة تعبوية للمقاومة.
واعتبر أن هذه السياسة جزء من معادلة واسعة ضمن خطة الضم والسيطرة النفسية والترويض النفسي للمجتمع الفلسطيني.
ورأى أن الاحتلال يسعى إلى إيصال رسالة للطالب الفلسطيني مفادها: "إذا كنت تريد أن تبقى آمنًا داخل الحرم الجامعي، فعليك ألا تتدخل في الشأن الوطني ولا في القضية الفلسطينية، وأن تدرس ثم تغادر إلى منزلك".
وأكد أن الاحتلال استهدف من خلال هذا الاقتحام مختلف الشرائح، عبر تنسيق مشهد ترويضي للشارع، وترهيب الناس، وإحداث إرباك نفسي لدى الطلبة، وخلق جدل داخلي حول جدوى الفعاليات الوطنية إذا كان ثمنها تعطيل العملية الأكاديمية.
ونوّه القيق إلى أن الاحتلال طبّق هذه السياسة داخل الأراضي المحتلة عام 1948، ويفرضها بالقوة في القدس، ويسعى إلى استنساخها في الضفة الغربية.
وعزا سعي الاحتلال لتحييد طلبة الجامعات إلى كون الجامعات مؤشرًا مهمًا في المعايير الدولية، ولأن أي فعاليات داخلها تنعكس على الشارع وعلى حجم المقاومة والتأييد لها.
ورأى أن الاحتلال يرفع شعار "لا صوت للمقاومة"، وليس فقط "لا للمقاومة"، إلى جانب شعار "لا صوت للصمود"، إذ يستهدف الصمود والمقاومة معًا.
ومن وجهة نظر القيق، فإن نجاح أو فشل الاحتلال في تحقيق أهدافه مرهون بصمود الفلسطينيين، خاصة في الضفة الغربية، حيث يتعرض هذا الصمود لضربات مباشرة، سواء عبر قطع رواتب الأسرى والشهداء، أو هجمات المستوطنين، أو إقامة البوابات، أو مصادرة الأراضي، أو التوسع الاستيطاني.
وأكد أن الفلسطينيين لا خيار أمامهم سوى الصمود، ورغم ما قد يعتريه من فتور أحيانًا، إلا أن الاحتلال لن يتمكن في النهاية من تحقيق ما يسعى إليه.
