تجددت أزمة غاز الطهي في الضفة الغربية خلال الأيام الماضية، بعد توقف التوريد لنحو 10 أيام متواصلة، ما تسبب بحالة اختناق واسعة في السوق، تزامنًا مع حلول شهر رمضان المبارك وموجات البرد الشديدة التي رفعت مستويات الاستهلاك إلى ذروتها.
وعادت الطوابير، اليوم الأربعاء، إلى محطات التعبئة ونقاط البيع، بعد شيوع أخبار تفيد بوصول كميات من الغاز، حيث تهافت مئات المواطنين لتعبئة الأسطوانات، ما أدى إلى أزمات مرورية في الشوارع والأحياء المحيطة بالمحطات.
قلق وانتظار..
المواطن محمد برغال، وهو أب لـ 5 أطفال من مدينة نابلس، يقول إن أزمة شحّ غاز الطهي فرضت على عائلته واقعًا يوميًا صعبًا، خاصة مع حلول شهر رمضان والأجواء الباردة.
ويوضح "برغال" في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء"، أن أسطوانة الغاز في منزله شارفت على النفاد، ما اضطر الأسرة إلى تقنين الاستخدام لأقصى حد، والاكتفاء بإعداد الوجبات الأساسية فقط".
ويضيف أن زوجته أصبحت تخطط لكل وجبة بدقة لتفادي نفاد الغاز، فيما يعيش الأطفال حالة ترقب دائمة خشية انقطاعه بالكامل، خاصة وأن عائلته تعتمد على الغاز في التدفئة أيضًا.
في حين يقول السيد أسعد كتانة، إنه يضطر للانتظار لساعات طويلة أمام نقاط التعبئة دون أن يتمكن من الحصول على أسطوانة، بعد نفاد الكميات بسرعة نتيجة الإقبال الكبير.
ويصف "كتانة" لـ "وكالة سند للأنباء"، مشهد الطوابير بأنه "مرهق ومقلق"، مؤكدًا أن الأزمة لا تتعلق بمادة استهلاكية عادية، بل باحتياج أساسي يمسّ تفاصيل الحياة اليومية لكل أسرة، ويضاعف القلق في ظل غياب وضوح حول انتظام التوريد واستمراريته.
توريد بعد انقطاع..
ويقول صاحب محطة "غاز المدينة" في نابلس، محمد كلبونة، لـ "وكالة سند للأنباء"، إن كميات من الغاز وصلت اليوم إلى المحطات بعد انقطاع دام عشرة أيام، بواقع 22 طنًا لكل شركة.
ويوضح أن الطلب كبير جدًا في ظل حالة الخوف والترقب لدى المواطنين، مشيرًا إلى أن الأمور كانت مستقرة قبل نحو أسبوعين دون وجود أزمة، "لكن التوريد توقف بشكل نهائي منذ عشرة أيام، ولم تكن المحطات ولا المحال تفتح أبوابها".
ويبيّن كلبونة أن الكمية التي وصلت اليوم "وفيرة وتسد الاحتياج"، إلا أن تهافت المواطنين وتعبئة أعداد كبيرة من أسطوانات الغاز هو ما يعيد إنتاج الأزمة. وأضاف: "لو كان هناك وعي كافٍ لدى المواطنين لما وصلنا إلى هذه الدرجة".
وأكد أن الأسعار لم تختلف رسميًا، لكن هناك من يتلاعب بها مستغلًا حاجة المواطنين. ودعا إلى استلام الغاز من الوكلاء بدلًا من الشركات، موضحًا أن الوكيل يوزع الكميات المتوفرة لديه بشكل متساوٍ على الزبائن، في حين تُجبر الشركات على تعبئة كميات كبيرة دفعة واحدة.
700 طن دخلت الضفة
من جهته، أعلن رئيس نقابة أصحاب شركات الغاز، أسامة مصلح، أمس الثلاثاء، دخول 700 طن من الغاز إلى مختلف مناطق الضفة الغربية، بواقع نحو 25 طنًا لكل محطة قابلة للزيادة، بعد إدخال 250 طنًا يوم الاثنين، متوقعًا إدخال كميات أكبر اليوم الأربعاء.
وقال مصلح في حديث إذاعي تابعته "وكالة سند للأنباء"، إن الكميات التي تم توفيرها خلال الشهر الجاري بلغت نحو 13 ألف طن، وهي الأعلى منذ بداية العام، لكنها نفدت بالكامل قبل نحو عشرة أيام.
وأوضح أن الأزمة تعود إلى ارتفاع الاستهلاك خلال فصل الشتاء، إضافة إلى آلية التوريد من الجانب الإسرائيلي، فضلًا عن لجوء المواطنين إلى تخزين كميات من الغاز خوفًا من نقصه.
وحمّل مصلح المواطنين جزءًا من المسؤولية نتيجة التخزين المكثف، كما حمّل الجانب الإسرائيلي المسؤولية باعتباره الجهة المسيطرة على إدخال المواد إلى الأراضي الفلسطينية.
هشاشة منظومة الإمداد
وتعاني الضفة الغربية من غياب أي موارد محلية لغاز الطهي، إذ لا تتوفر احتياطات أو قدرة إنتاجية محلية تسهم في تلبية الطلب، ما يجعل السوق يعتمد بالكامل على التوريد الخارجي.
وتحصل محطات التوزيع على الغاز من الهيئة العامة للبترول الفلسطينية، التي تشتريه بدورها من شركة باز غاز الإسرائيلية.
وتنتج الشركة جزءًا من الكميات في مصافي النفط في مينائي حيفا وأسدود، فيما تستورد الكميات المتبقية عبر السفن من الخارج.
وأدى الاضطراب المتكرر في التوريد، بالتزامن مع موجات البرد، إلى استهلاك الكميات فور دخولها السوق، في ظل غياب مخزون فعلي لدى المحطات، ما يجعل أي انقطاع يتحول سريعًا إلى أزمة واسعة تمس مختلف مناحي الحياة.
تداعيات تتجاوز المنازل
ولا يقتصر أثر الأزمة على الاستخدام المنزلي، إذ تمتد تداعياتها إلى قطاعات حيوية، بينها المستشفيات والمراكز الصحية التي تواجه صعوبات في تأمين احتياجاتها التشغيلية، إضافة إلى المخابز وبعض المنشآت الزراعية التي تعتمد على الغاز في التدفئة والتشغيل، ما يجعل الأزمة تمس البنية الاجتماعية والاقتصادية بأكملها.
ولم تكد أزمة نقص غاز الطهي تخف حدتها في الضفة الغربية، حتى عادت للمرة الثانية خلال أسابيع، في ظل الانخفاض الحاد في التوريد خلال الأيام الخمسة عشر الأخيرة، ما يعكس هشاشة منظومة الإمداد واعتمادها الكامل على تدفق الكميات من الجانب الإسرائيلي.
