أثار إعلان وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، أمس، إلغاء اتفاق الخليل وسحب الصلاحيات المدنية المرتبطة به من بلدية الخليل، موجة تحذيرات فلسطينية من تداعيات القرار على مستقبل المدينة، وسط مخاوف من أن يشكل خطوة جديدة نحو توسيع النفوذ الاستيطاني وفرض وقائع قانونية وإدارية تمهد لضم أجزاء من الضفة الغربية.
ويرى مسؤولون ومختصون أن القرار يتجاوز الطابع الإداري، ليعكس توجهًا سياسيًا واستراتيجيًا يستهدف إعادة تشكيل واقع الخليل التاريخي، بالتوازي مع رسائل انتخابية موجهة إلى جمهور المستوطنين واليمين الإسرائيلي.
وأعلن سموتريتش، أمس الثلاثاء، عن إلغاء اتفاقيات الخليل الخاصة بمنطقة المسجد الإبراهيمي، وسحب الصلاحيات الخاصة فيها من بلدية الخليل.
وفي فبراير/ شباط 2026، أقر "الكابينت" الإسرائيلي قرارات تهدف إلى إحداث تغييرات في الواقع القانوني والمدني بالضفة الغربية، بما يعزز السيطرة الإسرائيلية عليها.
وبموجب اتفاق الخليل، الموقع عام 1997 كجزء من اتفاقيات أوسلو، قُسّمت مدينة الخليل إلى قسم فلسطيني (H1) وآخر خاضع للسيطرة الأمنية الإسرائيلية (H2).
وبرغم سيطرة "إسرائيل" الأمنية على "H2"، إلا أن بلدية الخليل احتفظت ببعض الصلاحيات المدنية في المنطقة، بينها منح تراخيص التخطيط والبناء وتطوير البنية التحتية، إلى أن أعلن الاحتلال عن إلغاء الاتفاق مؤخرًا، وهو ما يعني عمليًا إلغاء الارتباط التخطيطي لبلدية الخليل، بما في ذلك الأماكن المقدسة في المدينة، وعلى رأسها المسجد الإبراهيمي، وينقل المسؤولية الكاملة إلى "إسرائيل".

خطوة استيطانية خطيرة..
من جانبه، يرى رئيس بلدية الخليل، يوسف الجعبري، في حديث خاص لـ "وكالة سند للأنباء"، أن القرار الإسرائيلي "يمثّل خطوة استيطانية خطيرة ومحاولة لاستمالة أصوات المستوطنين في إطار الحسابات السياسية والانتخابية داخل إسرائيل".
ويؤكد "الجعبري" أن هذه الإجراءات تتعارض مع الحقوق التي كفلتها المواثيق الدولية، إضافة إلى الوجود الفلسطيني المتجذر في المدينة منذ مئات السنين.
ورغم القرار، يشدد "الجعبري" أن بلدية الخليل ستواصل تقديم خدماتها في جميع مناطق المدينة. مشيراً إلى أن خطورته تكمن في كونه يحمل أبعاداً استراتيجية تهدف لسحب الصلاحيات وإلغاء الاتفاقيات القائمة بشكل أو بآخر.
ويفتح القرار الإسرائيلي المجال أمام المزيد من التوسع الاستيطاني وإقامة البؤر الاستيطانية وتكثيف عمليات البناء والسيطرة على الممتلكات الفلسطينية، وفق رئيس البلدية.
في حين، يؤكد الجعبري أن بلدية الخليل، ستخاطب مختلف دول العالم والمؤسسات الدولية لوضع حد لهذه الممارسات والسياسات الإسرائيلية التي تستهدف تقليص صلاحيات البلدية والحد من قدرتها على تقديم الخدمات للمواطنين، كما ستواصل السلطة جهودها في هذا الصدد.

وعودات انتخابية..
بدوره، يحذر رئيس لجنة إعمار الخليل مهند الجعبري، من تداعيات القرار الإسرائيلي على واقع مدينة الخليل ومستقبلها، مؤكدّا أنه "يمثل تطورًا بالغ الخطورة".
ويتفق رئيس لجنة الإعمار مع رئيس بلدية الخليل بأن "ما يجري حاليًا يندرج في إطار الدعاية الانتخابية للأحزاب اليمينية الإسرائيلية، والتي تسعى لكسب أصوات المستوطنين عبر تقديم وعود بمزيد من فرض السيطرة على قلب مدينة الخليل، وتوسيع النفوذ الإسرائيلي في الضفة".
ويضيف في تصريح خاص لـ "وكالة سند للأنباء"، أن المسؤولين الإسرائيليين المشاركين في هذه الحملات الانتخابية يتنقلون بين محافظات الضفة الغربية لتسويق هذه الوعود السياسية.
ويستدرك: "قادة اليمين الإسرائيلي يبعثون برسائل واضحة للمستوطنين مفادها أنه في حال عودتهم إلى الحكومة المقبلة، فإنهم سيعملون على فرض السيادة الإسرائيلية على مناطق واسعة من الضفة الغربية وصولًا إلى الضم، بما في ذلك الخليل، إلى جانب إعادة النظر في صلاحيات بلدية الخليل".
ويبين "ضيف سند" أن خطورة الموضوع تمتد إلى مختلف محافظات الوطن، ولا تقتصر على مدينة الخليل وحدها، مضيفًا أن الخليل وعلى رأسها البلدة القديمة والمسجد الإبراهيمي، ستكون في مقدمة المناطق المستهدفة في حال عودة الحكومة اليمينية المتطرفة.

تصاعد الهجمة الاستيطانية..
ويرجّح رئيس لجنة إعمار الخليل، تصاعد الهجمة الاستيطانية خلال المرحلة المقبلة، بشكل غير مسبوق. موضحًا: "الواقع الميداني يعكس بالفعل تصاعدًا في اعتداءات المستوطنين دون أن يقتصر الأمر على قرار سياسي".
ويكمل: "في السابق كانت الاعتداءات تُسجل بوتيرة متباعدة، أما اليوم فقد شهدت البلدة القديمة ومحيطها والمناطق المغلقة تسجيل 22 اعتداءً نفذه مستوطنون خلال الشهرين الماضيين فقط".
ويشير الجعبري لوجود تقدم واضح في محاولات فرض وقائع جديدة على الأرض من خلال فتح طرق جديدة والاعتداء على ممتلكات المواطنين.
وتبذل لجنة إعمار الخليل، وفق تصريحات رئيسها لـ "وكالة سند للأنباء"، جهودًا قانونية متواصلة لوقف هذه الإجراءات. مؤكدًا أنها نجحت في إيقاف عدد منها عبر المسارات القضائية.
وينوّه الجعبري، إلى أن أي سحب لصلاحيات بلدية الخليل "سيدخل المدينة في مرحلة جديدة وأكثر خطورة من التوسع الاستيطاني داخل البلدة القديمة".

تعارض قانوني وتاريخي..
من جانبه، يقول الباحث والمختص بالشأن الإسرائيلي، عادل شديد، في حديث خاص لـ "وكالة سند للأنباء"، إن قرار الاحتلال بإلغاء اتفاقية الخليل يمثّل انتهاكًا للاتفاقية ويتعارض مع الواقع القانوني والتاريخي.
ويوضح "شديد": "هذه الصلاحيات تُعد من اختصاص بلدية الخليل منذ تأسيسها قبل أكثر من 100 عام". مؤكدًا: "قرار سموتريتش يُعد استراتيجيًا ويهدف لإلغاء تاريخ يمتد لآلاف السنين".
ويبيّن أن المنطقة المستهدفة بنقل الصلاحيات المدنية والإدارية إلى مجلس المستوطنين الجديد في الخليل، هي في الأصل قلب مدينة الخليل التاريخي والتراثي، بينما المناطق التي تخضع لسيطرة السلطة الفلسطينية توسعت حديثًا نسبيًا منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي.
أما المنطقة المنوي نزع صلاحيات السلطة الفلسطينية عنها، فيشير "شديد" أن الأمر لا يقتصر فيها على بلدية الخليل فقط، بل يشمل جميع دوائر ومؤسسات السلطة المدنية، من الطابو والتسجيل وغيرها من المؤسسات".

تغيير جوهر مدينة الخليل..
ويضيف أن "هذه الخطوة تعني إحداث تغيير جوهري في بنية مدينة الخليل، بحيث لا تعود مدينة محتلة أو فلسطينية، وإنما منطقة إسرائيلية تُفرض عليها القوانين الإسرائيلية".
ويؤكد المحلل السياسي، أن ما يجري يُطرح في إطار ما يُعرف في النقاش العام الإسرائيلي بـ "مفاهيم السيادة والضم"، بما يحمله ذلك من تداعيات سياسية وتاريخية على واقع مدينة الخليل ومستقبلها.
ويرى أن القرار يمثل لدى الاسرائيليين خطوة باتجاه ضم الخليل لـ "إسرائيل" من خلال فرض القوانين الإسرائيلية عليها بصورة فعلية.
ولا يقرأ المختص بالشأن الإسرائيلي، قرار سموتريتش من زاوية الإجراءات الإدارية بما يتعلق بالتنظيم والبناء. منوّها لضرورة فهم القرار في سياق أوسع يرتبط بتوسيع نفوذ المستوطنين وتعزيز دور المؤسسات الاستيطانية داخل الخليل.
