تواجه مدينة غزة أزمة بيئية وصحية غير مسبوقة، تتفاقم يوميًا مع استمرار تراكم ملايين الأطنان من الركام والنفايات في شوارعها وأحيائها، في وقت تعاني فيه البنية التحتية من دمار شبه كامل، خاصة شبكات الصرف الصحي ومياه الأمطار التي انهارت بطول تجاوز 235 كيلومترًا.
هذا المشهد الكارثي لم يقتصر على تشويه المظهر الحضري فحسب، بل تحول إلى بيئة خصبة لتكاثر القوارض والحشرات، مما ينذر بانتشار الأوبئة والأمراض بين السكان الذين يعيشون أصلًا في ظروف إنسانية بالغة الصعوبة.
المخيمات "بؤرة" لأمراض مُعدية..
وقد حذّر الدكتور أيمن أبو رحمة؛ مدير دائرة الطب الوقائي بوزارة الصحة، من ارتفاع حاد ومقلق في أعداد الإصابات بالأمراض المعدية، وعلى رأسها مرض الجدري واليرقان الحاد، في مخيمات النزوح.
وأشار "أبو رحمة" في تصريح خاص لـ "وكالة سند للأنباء" إلى أن نسب الإصابات بتلك الأمراض، والمسجلة لدى الصحة، تشهد تصاعدًا يوميًا ينذر بكارثة صحية في ظل انهيار شبه كامل للبنية التحتية.
وأكد أن "تراكم النفايات ورداءة شبكات الصرف الصحي، إلى جانب البنية المتهالكة، هي العوامل الرئيسية التي تغذي هذا الانتشار الوبائي.
ولفت النظر إلى أن الإحصائيات الأولية تُظهر قفزة واضحة في معدلات الإصابة بالجدري واليرقان مقارنة بالأشهر الماضية، مع تحذيرات من تحول المخيمات إلى بؤر نشطة للأمراض المعدية إذا لم يتم التدخل الفوري.
وفي سياق متصل، كشف مدير دائرة الطب الوقائي عن تسجيل مئات حالات عضّ القوارض في المخيمات.
وحذر من أن هذه الحالات ليست مجرد إصابات موضعية، بل تُعتبر ناقلًا إضافيًا لأمراض والتهابات خطيرة مرتبطة بالقوارض، خاصة في ظل غياب المكافحة الممنهجة وعدم تعميم خطة المكافحة على جميع المخيمات، ما يتيح للقوارض التكاثر مجددًا ويزيد من تعقيد المشكلة الصحية.
وشدد على أن الحملات المخصصة لمكافحة القوارض تحتاج إلى ترتيبات خاصة وإدخال مواد غير متوفرة في السوق المحلي.
ونبّه إلى أن المواطن لا يستطيع شراء تلك المواد، حتى في حال توفرها، بسبب ارتفاع أسعارها. داعيًا إلى تحرك عاجل لوقف هذا التصاعد الخطير في الإصابات قبل فوات الأوان.
محاولات محدودة..
من جهته، حذّر باسم حسني مهنا، المتحدث الرسمي باسم بلدية غزة، من استحالة السيطرة على تفشي القوارض في ظل الظروف الكارثية التي تعيشها المدينة. مشيرًا إلى أن جهود المكافحة الحالية "لن تكون مجدية بشكل كامل" طالما تراكمت كميات هائلة من الركام والنفايات.
وقال مهنا في تصريح خاص لـ "وكالة سند للأنباء"، إن الكميات المتوفرة من مواد الطُعم السامة "تشكل جزءًا بسيطًا جدًا مقارنة بالاحتياج الفعلي".
وأوضح أن الأولوية الآن تُعطى لتخفيف الكومة الضخمة من النفايات عبر نقلها إلى جنوب مدينة غزة، في وقت يقدر فيه حجم الأنقاض المتراكمة في وسط غزة بنحو 25 مليون طن.
وبيّن أن مدينة غزة وحدها تضم نحو 25 مليون طن من الركام، بينما بلغ إجمالي النفايات المنقولة إلى منطقة "أبو جراد" حوالي 250 ألف متر مكعب من أصل 380 ألفًا. متوقعًا الانتهاء من نقل الـ 100 ألف متر مكعب المتبقية بحلول نهاية الشهر الجاري.
وأردف: "تعرضت البنية التحتية لدمار هائل، حيث تم تدمير 15 ألف متر طولي من شبكة مياه الأمطار، و220 ألف متر طولي (أي 220 كيلومترًا) من شبكة الصرف الصحي، مما أدى لانهيار خدمات الصرف بشكل شبه كامل".
وأكد "مهنا" أن هذه المعطيات جميعها، تراكم الركام، النفايات الهائلة، وانهيار شبكات الصرف، "خلقت ظروفًا مثالية لتفشي القوارض".
ونوّه إلى أن جهود المكافحة بالطُعم السامة تبقى "غير مجدية بشكل كامل" في ظل هذا الحجم من التدمير. داعيًا إلى تدخل عاجل لدعم قدرات البلدية في مواجهة هذه الكارثة الصحية والبيئية.
واعتبر أن الوضع تفاقم بشكل خطير بسبب انهيار البنية التحتية لمحطات الصرف الصحي، مما وفر بيئة خصبة لتكاثر القوارض بشكل غير مسبوق.
وأكد أن استراتيجية بلدية غزة تقوم على "مكافحة متعددة المسارات"، يأتي في مقدمتها استخدام الطعوم السامة، لكنه شدد على أن هذه الإجراءات تبقى غير كافية دون معالجة جذرية لتراكم النفايات وإعادة تأهيل شبكات الصرف.
وتقدر كمية الركام والأنقاض المتراكمة في قطاع غزة حتى النصف الأول من عام 2026 بنحو 60 مليون طن (وتشير تقديرات أممية أخرى إلى 68 مليون طن)، وذلك إثر تعرض أكثر من 80% من المباني والبنية التحتية للدمار الشامل أو الجزئي.
وتوضح الإحصاءات الرسمية الصادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن أكثر من 80% من مباني قطاع غزة تعرضت للتدمير أو الضرر، في حين تغطي المناطق كميات أنقاض تقارب من 60 إلى 70 مليون طن من الركام.
وأظهرت الإحصاءات الأممية أن نسبة الدمار في القطاع بلغت 84%، فيما وصلت النسبة في مدينة غزة وحدها إلى 92%، وسط تكلفة إعادة إعمار قدرت بـ 70 مليار دولار، حسب الأمم المتحدة.
