تتفاقم التداعيات الإنسانية للهجمات الإسرائيلية والاستيطان المتسارع في الضفة الغربية، مع تحذيرات من أن تدهور الأوضاع لم يعد يقتصر على مصادرة الأراضي أو تصاعد اعتداءات المستوطنين، بل بات يهدد منظومة الرعاية الصحية وشروط الحياة الأساسية للفلسطينيين، في ظل القيود العسكرية والإغلاقات التي تعيق الوصول إلى الخدمات الطبية.
وأشارت الكاتبة غادة مجادلي، في مقال نشره موقع ميدل إيست آي، إلى أن أقل من أربع وعشرين ساعة الأسبوع الماضي شهدت استشهاد أربعة فلسطينيين وإصابة آخرين في مناطق متفرقة من الضفة الغربية، بالتزامن مع اتساع هجمات المستوطنين على عدد من القرى، وما رافقها من إحراق منازل ومركبات وممتلكات فلسطينية.
وأضافت أن قرية تل جنوب غربي نابلس شهدت استشهاد أربعة فلسطينيين خلال هجوم نفذه مستوطنون وأسفر أيضاً عن مقتل مستوطنين اثنين، قبل أن تقتحم القوات الإسرائيلية القرية بعد ساعات، وتداهم مستشفى في نابلس لاعتقال فلسطينيين، أحدهما كان يتلقى العلاج من إصابة بالرصاص، بالتوازي مع فرض طوق عسكري ونقاط تفتيش على المدينة والقرى المحيطة بها.
ورأت أن هذه الأحداث لا تمثل سوى جانب من عملية أوسع تشهدها الأراضي الفلسطينية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، مشيرة إلى أن آثارها تمتد إلى مختلف جوانب الحياة اليومية، وعلى رأسها القطاع الصحي.
منع الرعاية الطبية
أبرزت مجادلي أن الأيام الأخيرة شهدت تعذر وصول مرضى غسيل الكلى إلى جلساتهم العلاجية المنقذة للحياة، كما مُنعت نساء حوامل من عبور الحواجز العسكرية للوصول إلى المستشفيات، في حين واجهت سيارات الإسعاف صعوبات في الوصول إلى المرضى بسبب إغلاق الطرق والحواجز العسكرية.
وقالت إن هذه القيود أدت إلى تعطيل خدمات الطوارئ وتقويض الظروف الأساسية اللازمة لبقاء الفلسطينيين، في ظل تصاعد الإغلاقات العسكرية وتوسع الاستيطان.
وأوضحت أن الضفة الغربية تشهد منذ اندلاع الحرب على غزة تسارعاً غير مسبوق في عمليات التوسع الاستيطاني، مع إنشاء آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة وإعلان مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية "أراضي دولة"، بالتزامن مع ارتفاع غير مسبوق في اعتداءات المستوطنين، الأمر الذي أدى إلى تهجير ما لا يقل عن 45 تجمعاً فلسطينياً منذ عام 2023، إضافة إلى استشهاد مئات الفلسطينيين.
ولفتت إلى أن هذه التطورات غالباً ما تُناقش من منظور سياسي أو قانوني، بينما يغيب تأثيرها المباشر على الصحة العامة، رغم أن الاستيطان والإغلاقات العسكرية وتهجير السكان تعيد تشكيل الظروف التي تحدد قدرة الفلسطينيين على التنقل والوصول إلى العلاج والحفاظ على حياتهم.
إعادة رسم الجغرافيا الفلسطينية
أشارت مجادلي إلى أن إعادة رسم الجغرافيا الفلسطينية تعني، في الوقت نفسه، إعادة تشكيل شروط البقاء، موضحة أن وفاة الرضيع أحمد زيد، البالغ من العمر ثلاثة أشهر، مطلع الشهر الجاري، تمثل مثالاً صارخاً على ذلك، بعدما مُنعت عائلته من عبور بوابة عسكرية إسرائيلية قرب مخيم دير عمار شمال غرب رام الله أثناء نقله بصورة عاجلة إلى المستشفى.
وأبرزت أن سيارة إسعاف كانت تنتظر على الجانب الآخر من الحاجز، لكن القوات الإسرائيلية أبقت البوابة مغلقة رغم إبلاغها بالحالة الطبية الطارئة، قبل أن يُنقل الطفل عبر طريق أطول، ليُعلن لاحقاً عن وفاته.
وأكدت أن الحصول على الرعاية الصحية في الضفة الغربية أصبح مرتبطاً بفتح الحواجز العسكرية أو إغلاقها، أو بالسماح لسيارات الإسعاف بالمرور، أو بقيام المستوطنين بإغلاق الطرق.
واستشهدت ببيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، التي تشير إلى أن نحو 12 ألف فلسطيني في التجمعات الواقعة غرب رام الله أصبحوا معزولين فعلياً بسبب الإغلاقات المتكررة للطرق، ما اضطرهم إلى استخدام طرق التفافية طويلة ومسارات ترابية وعمليات نقل متكررة بسيارات الإسعاف للوصول إلى أماكن العمل والمدارس والمراكز الصحية.
وأضافت أن المرضى الذين يحتاجون إلى علاج دوري، مثل غسيل الكلى، أصبحوا يعتمدون على وجود سيارات إسعاف على جانبي الحواجز العسكرية لنقلهم، بينما تحدد نقاط التفتيش والبوابات العسكرية موعد حصولهم على العلاج.
وأوضحت الكاتبة أن المخاطر تمتد إلى آثار التهجير الناتج عن توسع البؤر الاستيطانية، إذ يؤدي اقتلاع التجمعات الفلسطينية إلى تفكك شبكات الدعم الاجتماعي، وفقدان الأراضي الزراعية التي تؤمن مصادر الدخل والغذاء، فضلاً عن عزل التجمعات البدوية عن المراعي ومصادر المياه والخدمات الأساسية.
وأشارت إلى أن النشاط الاستيطاني الذي كان يتركز سابقاً في المنطقة المصنفة (ج) امتد بصورة متزايدة إلى قلب الضفة الغربية، ليطال المنطقتين (أ) و(ب)، اللتين نصت اتفاقيات أوسلو على خضوعهما للإدارة الفلسطينية.
وأكدت أن المنطقة التي توفي فيها الرضيع أحمد شهدت، وفق بيانات "أوتشا"، أكثر من ستين هجوماً للمستوطنين منذ مطلع عام 2024، مقارنة بتسعة اعتداءات فقط خلال السنوات الأربع السابقة، بينما نزح مجتمع عين أيوب البدوي بالكامل في أغسطس/آب 2025 بعد تعرضه لهجمات متكررة وقيود مشددة على الوصول إليه.
ورأت الكاتبة أن عنف المستوطنين والعمليات العسكرية لا يؤديان فقط إلى الإصابات والشهداء، بل يخلقان أيضاً حالة مستمرة من الخوف والضغط النفسي وانعدام الأمن، خاصة لدى الأطفال الذين يواجهون آثاراً طويلة الأمد نتيجة التعرض المتكرر للعنف، وكذلك كبار السن والمرضى المزمنين الذين تتزايد معاناتهم مع صعوبة الوصول إلى العلاج.
وأضافت أن العاملين في القطاع الصحي يواجهون هم أيضاً صعوبات يومية في الوصول إلى المستشفيات والعيادات بسبب الحواجز والإغلاقات والاقتحامات العسكرية، معتبرة أن تدهور الصحة العامة أصبح مرتبطاً بقدرة الفلسطينيين على الحركة الآمنة، والحفاظ على ترابط مجتمعاتهم، ومواصلة أعمالهم بعيداً عن التهديد المستمر بالعنف.
وختمت الكاتبة بالتأكيد على أن النقاش حول الاستيطان وعنف المستوطنين يركز غالباً على قضايا الأرض والقانون الدولي، لكنه يغفل التآكل المنهجي لشروط الحياة التي تضمن بقاء المجتمعات الفلسطينية، محذرة من أن استمرار التوسع الاستيطاني والإغلاقات العسكرية واعتداءات المستوطنين يؤدي إلى انهيار تدريجي للبنية التحتية للرعاية الصحية التي تعتمد عليها التجمعات الفلسطينية في الضفة الغربية.
لقراءة نص التقرير كاملا على موقع ميدل إيست آي أضغط هنا
