بين خيام النزوح وغبار الركام، حيث ألفت العيون مشاهد الدمار وطوابير المياه المنهكة، تمدّ الحياة جسراً خفياً من النور، هناك، في ساحات بدا وكأن الفرح قد هجرها إلى الأبد، تضيء فجأة شاشة بيضاء عملاقة، عبر عروض مبادرة "الأجنحة الصغيرة" لسينما الطفل في غزة.
إنها ليست مجرد عروض سينمائية، بل هي نافذة سحرية أُشرعت في وجه العتمة، ومساحة صغيرة كافية لتعيد للأطفال ملامح طفولتهم المسلوبة، ولتثبت أن في غزة قلوبا ما تزال تنبض بالحياة، وأرواحاً ترفرف شوقاً للبهجة.
"الأجنحة الصغيرة" هي مبادرة تطوعية ثقافية وإنسانية استثنائية لأطفال قطاع غزة، أطلقتها "مؤسسة مشهراوي للأعمال الفنية" في قطاع غزة، لتكون شاشة سينما متنقلة لتقطع مسافات العزلة والحصار، وتضيء فضاءات أوسع من هذا الواقع المأساوي الذي يعاني منه القطاع.
وحول نشأة المبادرة، تقول منسقة "الأجنحة الصغيرة"، يافا المشهراوي، خلال حديثها لـ "وكالة سند للأنباء" وُلدت المبادرة لتواجه غياب المراكز الثقافية وانعدام المساحات الآمنة للأطفال، فاتخذت من الساحات، ومخيمات النزوح، ومراكز الإيواء، وحتى شوارع الأحياء المنكوبة مقرًا لها.
ولا يقف هدف المبادرة عند مجرد عرض أفلام كرتونية للأطفال، بل تمتد لتكون مساحة فرح متكاملة تعيد للصغار حقهم الضائع في الضحك، واللعب، والتخيّل، وتنتشلهم لو لبعض الوقت من واقع الحرب والدمار إلى فضاءات الطفولة والأمان، بحسب "المشهراوي".

فراشات تتلمس النور
على بعض الكراسي البسيطة، وعلى الأرض المحيطة بالشاشة، تجلس براءة الطفولة مشدوهة أمام العرض السينمائي؛ فبالنسبة للطفل إبراهيم عيسى (12 عامًا)، بدا المشهد برمته أشبه بحلم بعيد المنال؛ فهو يقف أمام شاشة سينما كبيرة للمرة الأولى منذ ثلاثة أعوام، أو ربما لم يسبق له أن رأى واحدة من قبل.
يحدق إبراهيم في التفاصيل الملونة بعينين تملؤهما الدهشة، ويقول بصوت يغمره التأثر لـ "وكالة سند للأنباء": "كنت كتيرًا نفسي أشوف سينما، فكرتها مش موجودة في غزة بالمرة!".
ويصف تفاصيل سعادته بمتابعة العرض السنيمائي، بالقول": "انبسطت لما شفت هذا الشيء، وحسيت إنه عن جد احنا بنحاول نطلع من جو الحزن والابادة، ونلاقي تفاصيل نفرغ فيها عن أنفسنا في وقت ما فيش فيه اي شي بحياتنا انبسط فيه".
ولا تفارق هذه المشاعر الطفلة سارة الشندغلي (10 أعوام)، التي تصف لحظات العرض بتعبير يفيض رقة وحرية: حسيت كأني فراشة بطير وأنا بحضر وبسعادة مغامرة.. ما بدي كان العرض يخلص! من زمان ما الواحد حس أنه ممكن يحضر شي يعيد لنا مرحنا وبهجتنا"
وتحكي ببراءة، والبسمة تنطق على وجهها قبل لسانها: "حسيت كأني طفلة زي أطفال العالم بشوف سينما، حتى لو كانت بين الخيام ومن وسط الدمار؛ حسيت أني رحت بعيد عن الدمار لساعة صغيرة.. ونفسي هاي السعادة تكمل وتكون مش مجرد لحظة، عشان نحس عن جد إنه إحنا إلنا حياة".
حكاية تطوع تكسر عزلة الحرب
ولا يتوقف مشهد الأطفال بالنسبة عند ختام العرض السينمائي الذي يمتد لقرابة الـ 3 ساعات، فما إن ينتهي تتسابق خطواتهم نحو منسقة المبادرة يافا المشهراوي، وتلاحقها أسئلتهم البريئة والملحة: "متى رح ترجعوا؟ رح نسنتى كتير؟" تبتسم لهم بقلب مثقل بالأمل والمسؤولية.
وتشير "المشهرواي" لمراسلتنا أن هذا السحر البصري جاء بجهد فريق تطوعي ليكسر عزلة الحرب، كامتداد لـ "مهرجانات الأمل", تحت شعار "نحب الحياة غدا", انطلاقاً من مهرجان غزة السينمائي الدولي للأطفال.
وتكشف لنا بلغة المعطيات عن حجم الأثر المذهل لمثل هذه المبادرات، فبينما نجح مهرجان الأطفال في الوصول إلى أكثر من 12 ألف طفل خلال شهر واحد، قفز الرقم مع عروض "سينما الأجنحة الصغيرة" المتنقلة ليلامس نحو 45 ألف طفلاً وطفلة في مخيمات النزوح ومراكز الإيواء والشارع.


أنشطة تفريغ نفسي متكاملة
وفي سؤالنا عما تقدمه "الأجنحة الصغيرة" للأطفال غير العروض السينمائية، تجيب منسقة المبادرة أنّ التجربة لا تقتصر على عرض ومشاهدة الفيلم فحسب، بل يفتتح الفريق يومهم بأنشطة تفريغ نفسي مكثفة؛ تبدأ بترتيب المكان واستقبال الأطفال.
وعادة ما يتبع هذه الأنشطة مهرجان مصغر من الأغاني والأنشطة الموسيقية والألعاب التي يقودها منشط متخصص، بينما تتلوّن وجوه الصغار بريشة فنان محترف تزرع الطمأنينة والفرح في النفوس، بحسب "المشهراوي".
وتستحضر تفاصيل أعمق من كواليس العمل الميداني، مؤكدة أن أكثر ما يترك أثراً في نفس الفريق هو نظرات الدهشة العميقة في أعين الأطفال وهم يلمسون براءتهم المسلوبة تعود إليهم على شكل ألوان وحكايات.
على خط النار.. بهجة تقارع الخطر
لكن هذا السحر البصري لا يعبر بسهولة؛ فخلف الكواليس تقف منظومة من الصعوبات القاسية.
توضح المشهراوي حجم المعوقات قائلة: "نواجه صعوبات جمة تتوزع ما بين التنقل بين المخيمات بسبب صعوبة المواصلات، وأزمة توفير الكهرباء نتيجة انقطاع الوقود، ناهيك عن الخطر الأكبر، وهو القصف وإطلاق النار العشوائي، خاصة في المناطق القريبة من الخط الأصفر".
وتستحضر هنا حادثة مفجعة حين أطلق جيش الاحتلال النار تجاه الأطفال خلال أحد العروض في مخيم قريب من الخط الأصفر شرقي القطاع، مما اضطر الفريق لسرعة التدخل ونقل النشاط إلى مكان آمن قريب لحماية الصغار.

ترميم خفي لروح الطفولة
وفي تعقيب المدير العام لمؤسسة "المشهراوي" للأعمال الفنية بقطاع غزة، خميس المشهراوي، بعد انتهاء العروض في "الأجنحة الصغيرة"، يقول: حين تُطفأ الأنوار وتُطوى شاشة العرض الكبيرة، لا ينتهي السحر بمغادرة المكان؛ بل تظل أصدقاء الضحكات معلقة في هواء المخيمات، مرسومة في عيون أطفال كسروا طوق العتمة، ولو لساعات معدودة.
ويشير "المشهرواي" في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء" إلى أن ما تبنيه "سينما الأجنحة الصغيرة" اليوم ليس مجرد مساحة ترفيه مؤقتة، بل هو ترميم خفي لروح طفولة أرادوا لها أن تنطفئ، فإذا بها تنبت من بين الركام نوراً وحياة.
وعن رسالتهم الأهم من وراء هذه المبادرة يحكي: "حين نرى طفلاً كان لا يعرف سوى أصوات القصف وطوابير النزوح، وهو يجلس منسجماً ومبتسماً أمام شاشة العرض، نشعر أننا نحقق الرسالة الأهم؛ فنحن لا نعرض فيلماً فحسب، بل نعيد ترميم ما تهشّم من أرواح صغيرة أنهكتها الحرب".
استراتيجية متكاملة
من زاويته الإدارية والفلسفية، يؤكد خميس المشهراوي، أن هذه المبادرات لم تكن مجرد أنشطة ترفيهية عابرة، بل هي استراتيجية عمل متكاملة وحق أصيل من حقوق الطفل الفلسطيني وسط المعمعة.
ويشير بحديثه لمراسلتنا إلى أن المؤسسة ماضية بكل عزم لتطوير هذه المشاريع الثقافية وتوسيع نطاقها، كاشفًا عن التحضيرات الجارية لإطلاق الدورة الثانية من مهرجان غزة السينمائي الدولي للأطفال، لتكون أوسع وأشمل، ولتؤكد أن الإبداع الفلسطيني يولد دائمًا من رحم التحديات، وأن شاشات العرض ستظل تضيء مخيمات النزوح رغماً عن عتمة الحرب.
ويعبر المشهراوي عن هذه الروح بالقول: "مهرجان غزة لسينما الطفل، المهرجان الأجمل والأهم والأقرب إلى قلوبنا، و(سينما الأجنحة الصغيرة) أصبحت ملكًا لأطفال غزة، لتؤكد من خلال السينما والفن حقهم في الحلم والحياة، وفي أن تبقى لهم مساحة للفرح والأمل مهما كانت الظروف".
