حذّر رئيس شبكة المنظمات الأهلية في قطاع غزة، محمد صالحة، من كارثة إنسانية شتوية غير مسبوقة تُهدد مئات آلاف النازحين، مؤكداً أن الاحتلال الإسرائيلي يتعمد "هندسة التجويع" عبر تقليص الإمدادات الإغاثية وفرض قيود مشددة على الوقود ومستلزمات الإيواء.
وأكد صالحة في حوار خاص بـ "وكالة سند للأنباء" أنه رغم مرور عام على اتفاق وقف إطلاق النار (أكتوبر/تشرين الأول 2025)، لم يلتزم الاحتلال ببنوده؛ إذ يسمح بدخول 180 إلى 220 شاحنة يومياً فقط، مقارنة بـ 600 شاحنة نص عليها الاتفاق، بينما تبلغ الحاجة الفعلية 800 شاحنة، فضلاً عن توقف دخولها تماماً في الأعياد.
وتواصل "إسرائيل" ارتكاب انتهاكات شبه يومية لاتفاق وقف إطلاق النار، كما تستمر بفرض قيود واسعة النطاق، بما في ذلك القيود المفروضة على الأدوية والمأوى ومواد إعادة الإعمار وغيرها من المواد الأساسية وغير الأساسية.
وبموجب اتفاق وقف إطلاق النار، كان مطلوبًا من دولة الاحتلال رفع قيودها وتسهيل تدفق المساعدات الإنسانية الدولية إلى غزة.
وتتفاقم الأزمة، وفق صالحة، بسبب خلل التوزيع؛ حيث تستحوذ الشاحنات التجارية للقطاع الخاص على 75% من الإمدادات، مقابل 20% إلى 25% فقط للمساعدات الإنسانية المجانية.
ويتزامن ذلك مع انهيار اقتصادي يعاني فيه 85% من المواطنين من البطالة، مما يجعلهم عاجزين تماماً عن الشراء ومعتمدين كلياً على الإغاثة المجانية.
وشدد على أن الاحتلال، من خلال تقليص المساعدات وتوسيع الاعتماد على السلع التجارية، يفاقم الفجوة بين البضائع المتوفرة في الأسواق والقدرة الشرائية للمواطنين، في واقع اقتصادي بالغ الصعوبة، معتبرًا أن استمرار هذه السياسة يعمّق التجويع والفقر ويُبقي حياة السكان مرهونة بمساعدات محدودة لا تلبي احتياجاتهم الفعلية.
تراجع حاد في المساعدات والوقود
وكشف صالحة أن شهر سبتمبر/أيلول الماضي شهد تراجعًا حادًا في المساعدات الإنسانية مقارنة بأغسطس/آب، في مؤشر خطير على استمرار تقليص الإمدادات الإغاثية، رغم الاحتياجات المتزايدة للسكان بعد سنوات من الحرب والتدمير والنزوح.
وبحسب بيانات حركة الشاحنات عبر معبر كرم أبو سالم، انخفض عدد شاحنات المساعدات من 2182 شاحنة في أغسطس إلى 1244 شاحنة في سبتمبر، بفارق 938 شاحنة، وبنسبة تراجع بلغت نحو 43%، بينما ارتفع عدد الشاحنات التجارية من 3688 إلى 3781 شاحنة، بزيادة قدرها 2.5%.
وفي المقابل، تراجعت شاحنات الوقود من 288 إلى 240 شاحنة، بانخفاض نسبته 16.7%، فيما انخفض إجمالي حركة الشاحنات من 6158 شاحنة في أغسطس إلى 5265 شاحنة في سبتمبر، أي بنسبة 14.5%.
وتظهر الأرقام أن الشاحنات التجارية استحوذت خلال سبتمبر على نحو 71.8% من إجمالي الشاحنات الداخلة، مقابل 23.6% للمساعدات الإنسانية و4.6% للوقود، وهو ما يعكس تحولًا متزايدًا في طبيعة الإمدادات من الإغاثة المجانية إلى البضائع التجارية، رغم اعتماد معظم الأسر على المساعدات.
وأوضح صالحة أن تراجع الاستجابة الإنسانية في القطاع يرتبط بعاملين رئيسيين؛ يتمثل الأول في استمرار القيود والتعقيدات الإسرائيلية المفروضة على المعابر، بينما يتعلق الثاني بضعف التمويل الدولي المخصص للبرامج الإنسانية والإغاثية، بما في ذلك برامج الوكالات الأممية، مما يضاعف الفجوة بين الاحتياجات الفعلية والإمكانات المتاحة.
وأشار إلى أن هذا التراجع يتزامن مع إجراءات إسرائيلية بالغة التعقيد تشمل فرض شروط مشددة على إدخال الوقود، والزيوت، وقطع الغيار، والمعدات الأساسية.
وأضاف أن الحصول على الموافقات يتطلب فترات تنسيق طويلة ومعاملات توثيق وتصوير عبر الآليات الأممية، مما يتسبب في تأخير وصول هذه الإمدادات الضرورية لاستمرار العمل الإنساني.
وحذّر من أن النقص الحاد في الوقود والمستلزمات التشغيلية بات يتسبب في توقف المولدات الكهربائية بصورة شبه يومية داخل المنشآت الحيوية كالمستشفيات، والمخابز، وآبار المياه.
وأكد أن استمرار هذه الأزمة يهدد بتعطيل الخدمات الأساسية كلياً، مما يضع حياة مئات آلاف المواطنين الذين يعتمدون عليها في خطر دائم.
وأكد أن الأزمة الإنسانية في غزة لا تتعلق فقط بنقص المواد الغذائية، وإنما تمتد إلى مختلف القطاعات الصحية والخدماتية والإغاثية، في وقت تتراجع فيه قدرة المؤسسات على مواصلة تدخلاتها، وسط ارتفاع أعداد المحتاجين واستمرار انهيار المقومات الاقتصادية والمعيشية.
75% من الخيام مهترئة وكارثة الشتاء تقترب
وحذّر رئيس شبكة المنظمات الأهلية بغزة من كارثة شتوية وشيكة تُهدد مئات آلاف النازحين، نتيجة منع الاحتلال الإسرائيلي دخول خيام جديدة منذ شهرين، وغياب استجابة أممية موحدة تتناسب مع حجم الأزمة الحالية.
وأوضح صالحة أن نحو 75% من الخيام الحالية باتت مهترئة وغير صالحة للحماية، في حين لا يتجاوز ما يُسمح بإدخاله 10% من الاحتياج الفعلي، مما أجبر المؤسسات على تخصيص الكميات الشحيحة للمرافق الصحية والضرورات الطارئة بدلاً من توزيعها على الأسر.
وتتضاعف خطورة الوضع بسبب تكدس السكان في أقل من 30% من مساحة القطاع، وتمركزهم في مخيمات عشوائية بمناطق ساحلية ومنخفضة مدمرة البنية التحتية، وهو ما يهدد بغرق الخيام بالكامل مع انعدام وجود أي مساحات أو بدائل آمنة لنقل المتضررين.
ودعا صالحة إلى تحرك دولي عاجل للضغط على الاحتلال لرفع قيود المعابر وتأمين تدفق مستلزمات الإيواء والوقود، مؤكداً أن استمرار الوضع الحالي يضع الفئات الهشاشة كالأطفال والنساء في مواجهة مباشرة مع خطر البرد والمنخفضات الجوية.
