لم تكن هناء الزبدة تتخيل أن مشروع الأجبان والألبان الذي بدأته قبل الحرب سيتحول يومًا إلى طوق نجاة لعائلة كبيرة فقدت كثيرًا من أفرادها؛ فبعد استشهاد شقيقتيها وزوجيهما، وجدت نفسها مسؤولة عن عشرة أيتام، إلى جانب أبنائها، فيما كانت الحرب قد أخذت منها مشروعها ومعداتها ومصدر دخلها.
لكن هناء، التي لم تجد أمامها خيارًا سوى أن تقف على قدميها من جديد، عادت إلى صناعة الجبن والألبان وسط نقص الحليب والمواد الخام وارتفاع الأسعار، لتبدأ بما توفر لها من معدات ودعم، وتحول مشروعها الصغير إلى مصدر رزق لأسرتها، وحلم لمستقبل أكبر.
تقول هناء الزبدة لـ "وكالة سند للأنباء"، إن فكرة المشروع بدأت بعدما شهدت الأسواق تغيرًا مع افتتاح عدد من المولات وتراجع حركة العمل في المتاجر، فقررت إدخال منتجات جديدة إلى السوبرماركت، فاتجهت إلى صناعة الأجبان والألبان، إلى جانب مشروع للحلويات.
غير أن الحرب لم تأخذ وحدها ما أسسته هناء بجهدها، بل طالت جوهر حياتها وعائلتها؛ ففي السادس والعشرين من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، استشهدت شقيقتها وزوجها وأطفالهما في قصف استهدف منزلهم، ولم ينجُ من العائلة سوى أطفالهم الخمسة.
ولم تكد جراح الفقد تندمل، حتى تلقت في يناير/ كانون الثاني 2025 صدمة أخرى باستشهاد شقيقتها الأخرى وزوجها، وإصابة ابنهما.
ومن رحم هذا الفقد المركّب، وجدت هناء نفسها أمام واقع إنساني جديد، توضحه بقولها: "بعد استشهاد أختي -التي كانت سلفتي أيضًا- بات في ذمتي خمسة من أطفالها، واثنان من أطفال أختي الأخرى، إلى جانب أبنائي الثلاثة؛ لأجد نفسي فجأة المعيلة الوحيدة لعشرة أيتام".

أمام هذا الثقيل الباهظ وانعدام أي مورد مالي يعينها على مواجهة أعباء الحياة، أدركت أن الاستسلام ليس خياراً؛ فقررت كسر طوق العجز والعودة إلى عملها، مؤكد: "لم يعد لدي أي مصدر للدخل، وأنا المسؤولة وحدي عن أسرتي وهؤلاء الأيتام جميعاً؛ لذلك حتم عليّ الوقوف من جديد وانتزاع مقومات البقاء بيدين عاريتين".
مشروع من الصفر
لم تكن طريق العودة مفروشة باليسر؛ فقد فقدت هناء كامل معدات مشروعها، وأجبرتها موجات النزوح المتتالية على مغادرة منزلها ومكان عملها، لتصطدم بعقبة شاقة تتمثل في شح المواد الأساسية اللازمة لصناعة الأجبان، كاللبن، والمنفحة، ومثبتات الكالسيوم.
وتستحضر تلك المعاناة قائلة: "أقسى ما واجهتني عند استئناف العمل هو انقطاع المواد الخام الأساسية، كالحليب والمنفحة والكالسيوم".
وأمام ندرة الألبان وارتفاع أسعارها الجنوني، غدت عملية الإنتاج اليومية أشبه بمعركة محتدمة؛ إذ حلّقت تكلفة إنتاج الكيلو الواحد من الجبن لتلامس نحو 100 شيكل، في وقت قضى فيه ابنها وزوج ابنتها ساعات طوالاً يجوبون الأسواق بحثًا عن قطرة حليب تُبقي عجلة الإنتاج دائرة.
ولم تتوقف القسوة عند هذا الحد، بل ضاعفت ظروف النزوح وقصف القرى من فداحة المشهد، سيما وأن زوج ابنتها قد بترت أطرافه وبات حبيس كرسي متحرك.
غير أن رياح الأمل هبت بعد مخاض طويل، حين تلقّت دعمًا مكنها من استعادة جزء من عدتها، واقتناء ثلاجة وطاولة ومستلزمات الإنتاج، لتبعث مشروعها من جديد.

وتصف تلك اللحظة: "حين سخّر الله لي الدعم واستعدت المعدات، والثلاجة والطاولة وتأمين الحليب لنبدأ الكرة من جديد، غمرتني سعادة عارمة لأنني استطعت استئناف عملي".
ومع عودة المشروع إلى الحياة، التفّ أفراد العائلة حولها لتتحول المؤسسة الصغيرة إلى خلية عمل تكافلية؛ حيث ساعد الابن والابنة وزوج الابنة في إعادة بناء مقومات العيش والمساهمة في إعالة أسرهم.
نار صغيرة.. وحلم كبير
منذ الصباح، تبدأ هناء يومها بإشعال النار على "البابور" وتجهيز الحليب وصناعة الجبن، في محاولة لمواصلة العمل رغم محدودية الإمكانات.
لكن حتى المنتج تغير؛ فقبل الحرب كانت تعتمد على حليب الأبقار الطازج، بينما تعاني اليوم من نقص الحليب كامل الدسم وتراجع جودته، ما يدفعها للبحث عن مكونات أخرى تضيفها إلى الجبن للحفاظ على قيمته الغذائية وطعمه.
ولا تخفي هناء أن الطريق مرهق نفسياً، وأنها تمر بلحظات تشعر فيها بأنها لم تعد قادرة على الاستمرار؛ إذ تقول: "كثيراً ما تمر عليّ لحظات أشعر فيها بأنني غير قادرة على الاستمرار أو المتابعة أو العمل، ينتابني شعور عميق بالإحباط والتعب، وحالتي النفسية سيئة للغاية".
لكنها سرعان ما تستعيد دافعها قائلة: "أعود فأقول لنفسي: إن الله معنا وهو كبير، وسيُعيننا"، ثم تضيف: "هذه المسؤولية وهذه الأسرة.. هؤلاء الأطفال ما ذنبهم؟".
لهذا لم يعد مشروع الزبدة بالنسبة إليها مجرد مصدر رزق؛ تقول هناء: "مشروعي هو مصدر رزقي، كياني، بحس حالي أنا بكبر بهذا المشروع".
ورغم كل ما خسرته، لا تزال تنظر إلى ما هو أبعد من غرفة الإنتاج الصغيرة، وتحلم بأن يتحول المشروع يومًا إلى مصنع كبير للأجبان والألبان، وأن تصل منتجاته إلى مختلف أنحاء فلسطين، لا قطاع غزة وحده.
وتبعث هناء برسالتها إلى كل امرأة فقدت زوجها ومعيلها في الحرب، داعية إياهن: "إياكِ أن يتسرب إليكِ اليأس أو يستبد بكِ الإحباط؛ بل توكلي على الله، وقفي صلبة على قدميك، وكوني قوية الشكيمة؛ فأنتِ امرأة فلسطينية، وكل امرأة فلسطينية هي رمز للعظيمة التي لا تنكسر".

وتتجاوز قصة هناء الزبدة حدود التجربة الفردية لتلامس ظاهرة اجتماعية أفرزتها حرب الإبادة المستمرة في قطاع غزة؛ إذ أدى الفقد الواسع للمعيلين واستشهاد الآلاف ا إلى تحولات جذرية في بنية الأسرة الغزية.
وتُظهر التقارير الأممية والحقوقية أن نحو ربع الأسر في قطاع غزة باتت تعيلها النساء بمفردهن، وهو واقع استثنائي تجد المرأة نفسها في خط الدفاع الأول عن بقاء أسرتها، محملة بمسؤوليات مضاعفة لتأمين الغذاء والماء والمأوى وسط الانهيار الشامل في البنية التحتية وشح الموارد.
ولا يقتصر هذا العبء على البعد المادي والمعيشي فحسب، بل يمتد ليضع النساء أمام ضغوط نفسية صعبة، يتقاطع فيها وجع الفقد الفردي مع صدمات النزوح المستمر،، وانعدام الاستقرار وتردي الأوضاع المعيشية، لتتحول كل محاولة لإعالة الأسرة واستئناف العمل إلى معجزة يومية.
