لم تعد المكعبات الإسمنتية الصفراء في قطاع غزة مجرد علامات ميدانية تحدد خطوط انتشار قوات الاحتلال الإسرائيلي، بل تحولت إلى مؤشرات على حدود تتحرك فوق الأرض، وتقترب من منازل الفلسطينيين وشوارعهم ومرافقهم الحيوية، في مشهد يعيد رسم الجغرافيا بالقوة، ويضيّق المساحة التي يستطيع السكان العيش والتحرك فيها.
وفي أحدث التطورات الميدانية، اليوم الأحد، قدّمت قوات الاحتلال ما يُعرف بـ "الخط الأصفر" قرب مفترق الشجاعية، شرق مدينة غزة، باتجاه الغرب، لتقترب المكعبات الإسمنتية من شارع صلاح الدين الحيوي بنحو عشرة أمتار، وفق إفادات محلية وشهود عيان.
وأثار هذا التقدم مخاوف السكان، بعدما أصبحت منازل في المنطقة ضمن نطاق الخط الجديد، ما دفع عائلات إلى النزوح خشية تعرضها للاستهداف أو اضطرارها إلى مغادرة المكان تحت وطأة التوسع العسكري.
وتزامن ذلك مع إطلاق نار باتجاه خيام النازحين قرب مفترق الشجاعية، وعمليات نسف طالت مباني في الحي، ضمن تصعيد ميداني شهدته مناطق متفرقة من القطاع.
مكعبات تتحرك.. ومساحة تنكمش
ظهر "الخط الأصفر" ضمن ترتيبات وقف إطلاق النار الذي وُقّع في الـ 10 من تشرين الأول/ أكتوبر 2025، بوصفه خطًا يفصل بين المناطق التي تتمركز فيها قوات الاحتلال والمناطق التي يوجد فيها الفلسطينيون.
وحددت الخرائط الأولية المرتبطة بالترتيبات العسكرية نطاقًا يشمل نحو 53% من مساحة قطاع غزة، مقابل 47% في الجهة الأخرى من الخط.
لكن هذا التوزيع لم يبقَ ثابتًا؛ إذ وثّقت تقارير وتحليلات صور الأقمار الصناعية تحريك المكعبات الصفراء باتجاه الغرب، وتجاوزها في مواقع عدة المسار المعلن للخط، بالتزامن مع إقامة سواتر ترابية وخنادق وتوسيع نطاق القيود على الوصول إلى المناطق القريبة منه.
وأظهرت صور الأقمار الصناعية في 22 تموز/ يوليو 2026، تجاوز العائق الأرضي مسار الخط المعلن بمئات الأمتار في عدد من المواقع؛ إذ بلغ الانحراف نحو 400 متر قرب شارع صلاح الدين في خان يونس، ووصل إلى نحو 1300 متر في إحدى مناطق رفح، فيما قُدرت مساحة السيطرة الإسرائيلية الفعلية آنذاك بنحو 65% من إجمالي مساحة القطاع.
وفي تقرير سابق، نقلت "وكالة سند للأنباء" عن محمد المغير، مدير إدارة الدعم الإنساني والتعاون الدولي في الدفاع المدني الفلسطيني، قوله إن المناطق الواقعة ضمن نطاق الخط تمثل نحو 65% من مساحة القطاع، ولا يتبقى للسكان سوى 35%، وهي مساحة تواجه ضغطًا شديدًا بسبب الكثافة السكانية والركام والطرق ومرافق الخدمات ومناطق الإيواء.
وبذلك، لا تقتصر دلالة تحريك المكعبات على تغيير موضع علامات إسمنتية، بل تمتد إلى إعادة تحديد المناطق التي يستطيع الفلسطينيون الوصول إليها، والأراضي التي يمكنهم السكن فيها، والمرافق التي تظل متاحة لهم.
الشجاعية والتفاح والزيتون.. أحياء تحت الضغط
وتكتسب التطورات الأخيرة في شرق مدينة غزة خطورتها من موقعها الجغرافي وطبيعة المناطق المتأثرة بها؛ فالشجاعية والتفاح والزيتون ليست مساحات خالية، بل أحياء سكنية تضم منازل وطرقًا ومرافق خدمية، كما ترتبط بمناطق واسعة من شرق المدينة.
وكانت بلدية غزة قد حذرت، وفق بيانات تابعتها "وكالة سند للأنباء"، من أن توسع الخط الأصفر يعزل أجزاء من أحياء الشجاعية والزيتون والتفاح، ويمنع طواقمها من الوصول إلى آبار مياه ومحطات رئيسية للصرف الصحي، بما يفاقم صعوبة تشغيل الخدمات الأساسية في المدينة.
وأشارت المعطيات إلى أن التوسع الميداني انعكس على قدرة المؤسسات الخدمية على الوصول إلى منشآت حيوية، الأمر الذي يهدد انتظام إمدادات المياه وخدمات الصرف الصحي، في وقت تعاني فيه غزة أصلًا أضرارًا واسعة في بنيتها التحتية.
ولا تتوقف التداعيات عند حدود الخدمات؛ فتحول منزل إلى منطقة تقع خلف الخط أو داخله قد يعني، بالنسبة إلى الأسرة التي تسكنه، فقدان القدرة على الوصول إليه أو العودة إليه بأمان، فضلًا عن احتمالات النزوح مجددًا، حتى بالنسبة إلى عائلات سبق أن فقدت منازلها واضطرت إلى الانتقال بين مناطق مختلفة من القطاع.
أرقام أممية تكشف مخاطر الاقتراب من الخط
وتتجاوز المخاوف من الخط الأصفر مسألة تقليص المساحة الجغرافية، لتشمل المخاطر المباشرة على حياة المدنيين.
ففي تقرير الحالة الإنسانية الصادر في 26 حزيران/ يونيو 2026، أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان تحقّق من استشهاد 196 فلسطينيًا، بينهم 18 امرأة و43 طفلًا، في هجمات إسرائيلية أُفيد بأنها وقعت قرب الخط الأصفر خلال الفترة الممتدة من 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2025 حتى مطلع نيسان/ أبريل 2026.
وأوضح التقرير أن المنطقة المحيطة بالخط شهدت هجمات وإطلاق نار، في وقت تفرض فيه القيود على الوصول مخاطر إضافية على السكان والعاملين في المجال الإنساني.
وتتضاعف هذه المخاطر مع استمرار القصف وإطلاق النار وعمليات نسف المباني في المناطق القريبة من الخط.
ففي 11 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، وثّقت "وكالة سند للأنباء" 14 خرقًا إسرائيليًا لاتفاق وقف إطلاق النار منذ ساعات الفجر حتى لحظة إعداد هذه المادة، أسفرت عن إصابة أكثر من ثمانية مواطنين حتى ساعات الصباح الأولى، بالتزامن مع تقديم الخط الأصفر قرب مفترق الشجاعية.
رفض فلسطيني وتحذيرات من تكريس واقع جديد
وعلى المستوى الفلسطيني، وصفت حركة حماس، التوسع في نطاق الخط الأصفر بأنه قضم ممنهج للأراضي وتغيير جغرافي، محذرة من انعكاساته على المفاوضات المتعلقة بالوضع النهائي للقطاع.
كما حذرت جهات خدمية في غزة من أن تحريك الخط يقيّد وصول الطواقم إلى منشآت المياه والصرف الصحي، ويزيد من تعقيد تقديم الخدمات في الأحياء المتضررة.
وتثير هذه التطورات تساؤلات بشأن طبيعة الخط وحدود وظيفته؛ فبينما ارتبط ظهوره بترتيبات وقف إطلاق النار، فإن تحريك العلامات الميدانية إلى مناطق جديدة، بالتزامن مع استمرار العمليات العسكرية والقيود على الحركة، يثير مخاوف فلسطينية من تحول الخط المؤقت إلى واقع جغرافي طويل الأمد.
وفي ظل غياب ضمانات تمنع تغيير مساره أو توسع نطاقه، تبقى العائلات المقيمة قربه أمام حالة من عدم اليقين، إذ يمكن لتحريك مكعبات إسمنتية لمسافة محدودة أن يغيّر عمليًا نطاق وصولها إلى منازلها وأراضيها ومصادر خدماتها.
تهديد للحياة اليومية
ومن الشجاعية، حيث اقتربت المكعبات الصفراء من شارع صلاح الدين، إلى مناطق أخرى شهدت تحركات مماثلة، تتكشف صورة لخط لا يقتصر أثره على تقسيم جغرافي، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين.
ومع تقديرات تشير إلى خضوع نحو 65% من مساحة قطاع غزة للسيطرة الإسرائيلية، لا تبدو المسألة مجرد تحريك علامات إسمنتية، بل صراعًا على المساحة المتاحة للسكان وعلى شروط بقائهم فيها.
وبينما تتواصل التحركات الميدانية قرب الأحياء السكنية، يبقى السؤال الأبرز: هل يظل "الخط الأصفر" حدًا عسكريًا مؤقتًا ضمن ترتيبات وقف إطلاق النار، أم يتحول، عبر التقدم المتكرر للمكعبات والسواتر والقيود، إلى حدود جديدة تُفرض على الفلسطينيين وتعيد تشكيل واقعهم الجغرافي والإنساني؟
