من قلب الركام وعلى حواف الخيام، يتلمس لاعبو التايكواندو في قطاع غزة طريقهم نحو البساط المفقود، يحملون أجساداً أنهكها التهجير وإرادةً توارثت الشغف رغم ضراوة حرب الإبادة.
ففي غزة، لم يُعد استئناف هذه الرياضة القتالية مجرد استرجاع للحركات والانضباط، بل أضحى محاولة متمسكة بالحياة لاستعادة حلمٍ أرجأته القذائف، وانتزاعًا لكرامة رياضيين أُخرجوا من صالاتهم القسرية لينتظموا في مساحات لا تشبه شيئًا مما عرفوه.
فلم تكتفِ حرب الإبادة بترك المنشآت الرياضية خاوية على عروشها، بل بَتَرت مسارات لاعبين صاغوا سنوات عمرهم بين التمارين، وبدّدت طموحات كانت تُساق نحو منصات التتويج، وجرّدت الكوادر الفنية والمدربين من أدواتهم وملاعبهم التي شيدوا فيها أجيالاً متعاقبة من الأبطال.
من شغف الطفولة إلى إعداد الأبطال
تبدأ حكاية الصمود مع المدرب محمود الكرنز، الذي ارتبطت حياته برياضة التايكواندو منذ عام 1994 حين خطى خطواته الأولى بعمر العاشرة، متدرجًا من مقاعد اللاعبين إلى معترك التدريب والإدارة الرياضية.
وعلى مدار عقود، خاض الكرنز بطولات محلية متتابعة، وتولى الإشراف الفني على لاعبين في عدة أندية أبرزها ناديا الأقصى والنجوم، فضلًا عن انضمامه للجنة مدربي المنتخب الفلسطيني وترؤسه لجنة "البارا تايكواندو" المتخصصة برعاية وتدريب الأشخاص ذوي الإعاقة.
ولم تكن التايكواندو لدى الكرنز مجرد منافسات وتكتيكات قتالية، كما أوضح لمراسلة "وكالة سند للأنباء"، بل اعتبرها مسارًا استراتيجيًا لتربية المهارة والانضباط لدى الناشئة، وبناء جيل متكامل قادر على إعلاء اسم فلسطين في المحافل المختلفة؛ إلا أن حرب الإبادة عَصَفَت بهذا البناء ورَأسًا على عقب، شالّةً المنظومة الرياضية برمتها من مقوماتها البشرية والإنشائية.
ويستذكر الكرنز الخسائر الفادحة التي مُنيت بها اللعبة، موضحًا أن الإبادة غيّبت عددًا كبيرًا من كوادر التايكواندو بين شهداء وجرحى ومُهجّرين قسراً خارج القطاع مع عائلاتهم، في حين أجبر العوز الضاغط بعض الكفاءات على هجر الرياضة والبحث عن تحصيل القوت اليومي.

ويتسع حجم الدمار ليشمل البنية التحتية، إذ أُتلف نحو 80% من الأندية والصالات التي كانت تحتضن الرياضيين وتوفر بيئة أمنة لتدريبهم، إلى جانب فقدان المستلزمات الأساسية كالبساط المخصص، ووسائل الحماية، والزي الرياضي.
ووفق تقديرات الكرنز، ترتب على غياب هذه المقومات انقطاع القواعد الطلابية واللاعبين عن التدريبات لنحو ثلاث سنوات، ما ترك ندوبًا واضحة على لياقتهم البدنية والمهارية.
التكيّف مع واقع شحيح ومخاطر قائمة
عقب فترة الانقطاع الطويلة، طرأت صعوبات استثنائية جعلت مجرد العودة للتدريب تحديًا قائمًا بذاته، فاللاعبون الذين استعدوا سابقًا لاستحقاقات خارجية وجدوا أنفسهم مجردين من أدنى معايير السلامة، بدءًا من القاعات وصولاً إلى المصدات الواقية من الإصابات.
وينوه الكرنز إلى أن بساط التايكواندو ليس تفصيلاً ثانويًا يمكن تجاوزه، بل ركيزة جوهرية لامتصاص الصدمات والوقاية من الكسور أثناء الاشتباك. وامتدادًا لهذا الفقدان، اضطر الكادر التدريبي للبحث عن بدائل مجتزأة وتكييف التدريبات مع المتاح، مع الإقرار بأن تلك المعالجات لا تسد مسد التجهيزات الأصلية ولا تسمح بالارتقاء المستهدف بالمستوى الفني.
وحاليًا، يتوزع اللاعبون ضمن مجاميع صغيرة شُيّدت على أنقاض الصالات المدمرة، بينما يضطر آخرون للمران في بيئات غير مهيأة كالمساحات الرملية أو الخيام المؤقتة.
وأمام تلك المعطيات، يُجري المدربون تعديلات على المناهج التدريبية ويقلصون أوقات الحصص لتفادي الأخطار الناجمة عن التدريب في أماكن غير آمنة، ولا سيما القريبة من مناطق التماس المسماة بالخط الأصفر.
ويردف الكرنز بأن المعدات المتوفرة باتت متهالكة وغير صالحة للاستخدام، في وقت تتصادم فيه محاولات استيراد البدائل مع الحصار والقيود الحادة المفروضة على إدخال التجهيزات الرياضية للقطاع، مما يضع اللاعبين أمام خطر مزدوج يهدد بانتكاسات بدنية وتوقف جديد عن اللعب.

طموح عابر للركام ومستلهم من العائلة
في أتون هذا الواقع، ينقب اللاعب عبد الله محمد، أحد عناصر المنتخب الوطني الفلسطيني سابقًا، عن فرصة تتجدد بها آماله في العودة إلى المنافسات الدولية لتمثيل فلسطين.
وكان عبد الله قد استهل مشواره مع التايكواندو في سن السادسة، مقتفياً أثر والده الكابتن محمد الكرنز وعمه المدرب محمود الكرنز، اللذين يعتبرهما من الرعيل المؤسس لهذه الرياضة في غزة.
وبوصوله إلى سن الثامنة عشرة، ظلت اللعبة محركاً لثقته وانضباطه النفسي والبدني.
ويذكر عبد الله في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء" أنه كَرّس الفترة التي سبقت الحرب لتطوير مهاراته القتالية للحفاظ على موقعه ضمن تشكيلة المنتخب، واضعًا نصَب عينيه اعتلاء منصات التتويج الدولية. كما سجل حضورًا لافتًا في البطولات المحلية محرزًا المركز الأول في مناسبات عدة، رغم كوابح الحصار المفروضة على قطاع الرياضة.
غير أن الحرب باغتت مسيرته كما فعلت مع زملائه، فارضةً عليه انقطاعًا مستمرًا طوال محطات النزوح والقصف المتواصل.
ومع توقف المسابقات وتضرر المنشآت، تراجعت اللياقة والقدرات الفنية، في وقت انهمكت فيه الأسر بتأمين مقومات البقاء والبحث عن الأمان، مما جعل ممارسة الرياضة خيارًا بالغة الصعوبة.
ويرى عبد الله أن التايكواندو تجاوزت كونها نشاطًا قتاليًا لتستحيل متنفسًا لاستعادة التوازن النفسي والتمسك بالحلم؛ حيث منحته العودة للتدريب عقب إعلان الهدنة دفعة لاستعادة ما فاته رغم قسوة الظروف.
إلا أن هذه العودة لا تعني انتظام المسار السابق، إذ إن غياب الصالات والواقيات المجهزة يجعل التدريب محفوفًا بتهديدات الإصابة ويحد من إمكانية الوصول لمستويات تنافسية عالية.
تحديات معيشية وضغوط نفسية
لا ينفصل النضال الرياضي عن واقع المعاناة اليومية في غزة؛ فتبعات النزوح وفقدان الاستقرار والانشغال الدائم بتأمين المتطلبات المعيشية تجعل الالتزام بالحصص التدريبية أمنية صعبة المنال.
وبينما يصارع اللاعبون لاستعادة قدراتهم، تقف الظروف الاقتصادية والضغوط النفسية سداً أمام انتظامهم.
ويكشف عبد الله أنه عاش محطات قاسية استبد به فيها شعور بفقدان الشغف، بعدما نزفت الحرب طاقات اللاعبين جسديًا ونفسيًا وجعلت حماية العائلات الأولوية الأولى؛ مستدركًا: "لكن الرغبة في العودة، إلى جانب الشغف الذي رافقني منذ طفولتي، دفعني إلى استئناف التدريب كلما سنحت الفرصة".
ويؤكد أن الصالات الرياضية تُشكل بيئة حاضنة للنمو والاحتراف وليست مجرد جدران للتمرين، موضحًا أن فقدانها يسلبه المساحة التي تشكلت فيها هويته وأحلامه اليومية.
وينبه عبد الله إلى أن المدرب محمود الكرنز كان يعكف قبل اندلاع الحرب على تحضير مجموعة من اللاعبين لتمثيل المنتخب الفلسطيني في مشاركات خارجية، بينها استحقاقات كان مقدرًا لها أن تُقام في دولة الإمارات العربية المتحدة، كما انخرط عدد من الكوادر التدريبية والتحكيمية في دورات تطويرية خارج القطاع بغية رفع الكفاءة الفنية للعبة.
لكن إغلاق المعابر والقيود المطبقة على حركة السفر حصرت تلك الطموحات خلف الجدران، وحرمت الكوادر واللاعبين من فرصة الاحتكاك الدولي. ومع انسداد أفق المشاركات الخارجية، أصاب الفتور بعض الممارسين، بينما يواصل آخرون الاستعداد بالحد الأدنى المتوفر على أمل العودة للميادين.
ويستطرد عبد الله موضحًا أن الرياضيين الذين تدربوا لتمثيل فلسطين باتوا يستنزفون أوقاتهم في محاولة استعادة أساسيات اللعبة في ظل انعدام الملابس والواقيات والتجهيزات، وصعوبة استيرادها.

إرادة حاضرة وإمكانات غائبة
ويطالب عبد الله الكرنز المجتمع الرياضي بتوفير الإمكانات والبيئة الآمنة والفرصة العادلة لرياضيي غزة الذين لا ينقصهم الشغف ولا الطموح، آملًا بالعودة إلى الحلبات الدولية ورفع العلم الفلسطيني مجددًا فوق منصات التتويج.
