في مرسم الفنانة التشكيلية سونيا اقنيبي بخان شاهين وسط البلدة القديمة في الخليل، انطلقت فعالية ثقافية، الأربعاء 7 تشرين الأول/أكتوبر 2026، يمسك فيها أطفال المدينة ألوانهم وفرشاتهم، ليرسموا بيوت الخليل العتيقة وأسوارها الشامخة والكوفية الفلسطينية ومدينة القدس عاصمة وطنهم، في مساحة تطل على تاريخ مدينتهم وتعيد تشكيله بالألوان، على مقربة من جدار الفصل وبوابات الاحتلال الإسرائيلي التي تضيق الخناق على المكان وسكانه.
وتقول الطفلة كنار العسيلي، في تصريحات لـ"وكالة سند للأنباء"، إنها تشارك في المرسم لأنها تجد في الرسم وسيلة للتعبير عن نفسها وإطلاق خيالها.
وأوضحت أن تأمل المباني القديمة يدفعها إلى التساؤل عن الطريقة التي استطاع بها الأجداد تشييدها، بما في ذلك الأشكال الهندسية في الأسوار والمباني التاريخية.
وتضيف العسيلي، أنها اختارت رسم الكوفية الفلسطينية لما تمثله من صمود الفلسطينيين، كما رسمت مدينة القدس باعتبارها عاصمة فلسطين، في تعبير بصري يجمع بين ذاكرة المكان والانتماء الوطني.
وترى الفنانة التشكيلية سونيا اقنيبي، في تصريحات لـ"وكالة سند للأنباء"، أن الفعالية تقوم على تنظيم ورشة رسم مباشر من الطبيعة، ينقل خلالها الأطفال صوراً من التراث الفلسطيني عبر رموز يختارونها ويجسدونها في لوحاتهم.
وأشارت إلى أن المشاركين أطفال مميزون، ارتبطوا بالمركز منذ نحو عام أو عامين، وتلقوا تدريبات أسهمت في تطوير مهاراتهم الفنية وقدرتهم على التعبير.
من جهتها، تؤكد عضو مجلس بلدي الخليل سارة الشماس، في حديثها لـ"وكالة سند للأنباء"، أهمية هذه الأنشطة في غرس الانتماء الوطني لدى الأطفال، وتعريفهم بقيمة تراثهم وهويتهم الفلسطينية منذ الصغر، لافتةً إلى أن وجود الفعالية في خان شاهين، في قلب البلدة القديمة، وداخل مرسم "اقنيبي"، يتجاوز حدود تعليم الرسم إلى تعزيز ارتباط الجيل الناشئ بمدينته، وترسيخ وعيه بتاريخها وموروثه الثقافي.
وتضيف الشماس أن بلدية الخليل تساند الأنشطة التي ينظمها أبناء البلدة القديمة ومؤسساتها، ضمن جهود تهدف إلى إبقاء الحياة حاضرة في أحيائها التاريخية، مؤكدةً أن هذه الفعاليات تترك أثراً نفسياً ومعنوياً لدى الأطفال، يتجاوز الشعارات والكلمات إلى تجربة يعيشونها بأنفسهم.
وتشدد على ضرورة أن تكون الأنشطة المقامة في البلدة القديمة هادفة، وليست مجرد أحداث عابرة، موضحةً أن إحياء الماضي ينبغي أن يضمن حضوره في الحاضر واستمراره لدى الأجيال المقبلة.
يوم التراث الفلسطيني
وتأتي الفعالية في سياق إحياء يوم التراث الفلسطيني، الذي أطلقت وزارة الثقافة فعالياته في البلدة القديمة بالخليل يوم الأربعاء 7 تشرين الأول/أكتوبر 2026، تحت شعار "تراثنا باقٍ ما بقيت الحكاية"، بمشاركة مؤسسات رسمية ومجتمعية، وفق المعلومات الواردة.
وشملت الفعاليات أنشطة فنية وثقافية استهدفت تعريف الأطفال بمعالم الخليل التاريخية، وتعزيز حضور التراث الفلسطيني في الحياة اليومية، إلى جانب معرض للمنتجات والمشغولات اليدوية الرامية إلى دعم الحرفيين المحليين وتنشيط الأسواق القديمة.
ذاكرة المكان وقيود الاحتلال
وتكتسب هذه الأنشطة أهمية إضافية في ظل القيود والإغلاقات العسكرية والبوابات الحديدية التي تحد من حركة السكان، وتؤثر في الحياة اليومية داخل البلدة القديمة، حيث يصبح الحفاظ على الحضور الثقافي والاجتماعي جزءاً من جهود حماية هوية المكان.
وتؤكد المبادرات أن التراث لا يعيش في الكتب والمباني وحدها، بل يستمر حين ينتقل إلى ذاكرة الأطفال، ويتحول إلى معرفة وتجربة وتعبير.
وفي مرسم "اقنيبي"، يواصل الصغار رسم الخليل كما يرونها ويحلمون بها؛ مدينةً تحتفظ ببيوتها وحكاياتها، وتبقى حاضرة في وجدان أبنائها، مهما أحاطت بها الجدران والقيود، فكل لوحة ينجزها طفل هنا تحمل شيئاً من ماضي المدينة، وشيئاً من حاضرها، وأملاً بمستقبل يظل فيه التراث الفلسطيني حياً في ذاكرة الأجيال.
