سلط موقع ميدل إيست آي البريطاني، الضوء على مخاطر "الخط الأصفر" الذي يفرضه جيش الاحتلال الإسرائيلي ويتوسع بشكل مستمر ليبتلع أحياء غزة ويقتلع العائلات من جذورها.
وأشار الموقع إلى أنه عندما عاد المواطن أحمد حامد إلى منزله في مدينة غزة بعد وقف إطلاق النار، كان يقع على بعد حوالي 1.5 كيلومتر غرب ما يُسمّى «الخط الأصفر» الذي فرضته دولة الاحتلال.
وبعد شهرين، تقلّصت تلك المسافة إلى حوالي 200 متر. وقال حامد "قبل انتهاء الحرب، كان منزلنا يقع في منطقة خطرة، وكان من الصعب علينا العودة. انتظرنا أسبوعين بعد وقف إطلاق النار للتأكد من أن الوضع آمن".
وفي النهاية، عادت العائلة إلى منزلها بالقرب من حي الشجاعية في شرق مدينة غزة لكن سرعان ما عادت أصوات الحرب معهم.
قال حامد: "منذ اليوم الأول الذي عدنا فيه، سمعنا دوي القصف والتفجيرات وإطلاق النار. سيبدأ ذلك عند غروب الشمس ويستمر حتى الفجر".
في البداية، افترضوا أن الانفجارات كانت بعيدة، معتقدين أن الخط الأصفر لا يزال بعيداً. لكن الآن، يستطيع حامد أن يرى الكتل الخرسانية الصفراء التي وضعتها القوات الإسرائيلية من نافذته — وهو مشهد لم يكن موجوداً قبل أسابيع قليلة.
وفي جميع أنحاء غزة، ظل خط الترسيم المؤقت يتحرّك ويقترب أكثر فأكثر من المناطق المكتظّة بالسكان، مما يغذّي المخاوف من تجدّد النزوح والعدوان الإسرائيلي.
الهروب في صمت
"الخط الأصفر" هو حدود عسكرية فرضتها القوات الإسرائيلية من جانب واحد داخل قطاع غزة منذ وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر الماضي.
وقد تم تصنيفها كمنطقة محظورة، مما يمنع الفلسطينيين من الوصول إلى مساحات شاسعة من الأراضي في الشمال والجنوب والشرق.
ومنذ بدء وقف إطلاق النار، امتد الخط بشكل مطّرد غرباً، وابتلع أحياء سكنية، ويغطي الآن ما يقرب من 53 بالمائة من الأراضي. ويتم تمييز كل تقدّم جديد بكتل خرسانية صفراء تُوضَع داخل الأحياء المدنية.
وبحسب حامد، تقع آلاف المنازل ضمن مسافة كيلومتر واحد تقريباً بين الموقع الأصلي للخط وموقعه الحالي.
وأوضح قائلاً: "قام الناس بتركيب خطوط المولدات الكهربائية، بل وقاموا بتركيب الإنترنت أيضاً".
وأضاف: "ثم في إحدى الليالي، استيقظوا على دويّ إطلاق نار كثيف، ووجدوا كتلة خرسانية صفراء في منتصف الشارع. فجمعوا أغراضهم وفرّوا هاربين تحت وابل من الرصاص في منتصف الليل".
وقد حوصرت بعض العائلات في منازلها لساعات بسبب القصف العنيف، قبل أن تخرج لتجد أن الحدود قد تغيّرت بالفعل.
إجمالاً، تحرّك الخط إلى الأمام بأكثر من كيلومتر خلال فترة وقف إطلاق النار، مما أدى إلى موجات نزوح هادئة لم تحظَ باهتمام إعلامي يُذكر.
قال حامد: "هناك موجة نزوح هائلة، ولا أحد يغطيها. العائلات تهرب في صمت. خلال الحرب، كان الناس يتحدثون عن معاناتنا، مما خفف الألم قليلاً. الآن، لا أحد يتحدث»".
وأضاف: "تخيّلوا حجم المعاناة: لقد شكرنا الله على أن منازلنا نجت من عامين من الإبادة الجماعية، والآن يفقدها الناس خلال فترة وقف إطلاق النار".
وتابع "يبدو الأمر وكأن حريقاً يلتهم الحي، ونحن ننتظر وصول ألسنة اللهب إلينا. لا أحد يستطيع إيقاف هذا التقدّم".
ويطل منزل عائلة حامد الآن مباشرة على الخط الأصفر. ومن نافذته، يستطيع أن يرى الدبابات والمركبات العسكرية الإسرائيلية وهي تقوم بدوريات وتطلق النار باتجاه الأحياء الواقعة خارج الحدود.
وقد استشهدت زوجة ابن عمه، سمر أبو واكد، وهي أم لثلاثة أطفال في الثلاثينيات من عمرها، برصاصة في الرأس عند مدخل منزل العائلة — على ما يبدو أطلقها جندي إسرائيلي من «المنطقة الصفراء»، وفقاً لأقاربها.
قال حامد: "اضطررت أكثر من مرة إلى الزحف مع زوجتي وأطفالي من الغرفة المطلة على الشارع إلى الغرف الداخلية بسبب إطلاق النار الكثيف".
ومنذ أن بدأت حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية في أكتوبر 2023، نزح حامد عدة مرات، مشيرا إلى أنه "في حالات النزوح السابقة، كنت أحزم فقط ما نحتاجه، لعلمي أننا سنعود في النهاية".
لكنه أضاف أنه يخشى الآن أن يصبح النزوح دائماً.
الأحياء تحولت إلى ركام
مع تقدّم القوات الإسرائيلية غرباً، استخدمت مركبات محمّلة بالمتفجرات لهدم العديد من المباني السكنية دفعة واحدة في شرق غزة، مما أدى إلى تطهير المناطق ومنع السكان من العودة.
يوم الأحد، أشار رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي، الفريق إيال زامير، إلى الخط الأصفر على أنه "حدود جديدة".
وبموجب خطة وقف إطلاق النار المدعومة من الولايات المتحدة، يُعتبر الخط الأصفر خط انسحاب مؤقت للقوات الإسرائيلية، مع توقّع المزيد من عمليات الانسحاب باتجاه حدود غزة في المراحل اللاحقة من الاتفاق.
ومع ذلك، قال زامير إن الجيش يحتفظ "بالسيطرة العملياتية على أجزاء واسعة من قطاع غزة" وسيظل متمركزاً على طول تلك الخطوط الدفاعية.
وفي الشهر الماضي، نزحت ريم مرتجى، المقيمة في منطقة الشجاعية، من منزلها للمرة الحادية عشرة.
قالت الشابة البالغة من العمر 27 عاماً: "الجزء الأكثر خداعاً هو أنه سُمح لنا بالعودة بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، لنكتشف أن منزلنا قد تضرر بشدة".
وأضافت: "ومع ذلك، كنا ممتنين لأن بعض الجدران ما زالت قائمة. اشترينا أغراضاً جديدة وقمنا بإصلاحات طفيفة، وشعرنا باستقرار أكبر مما شعرنا به خلال عمليات النزوح السابقة".
لكن هذا الشعور بالاستقرار لم يدم طويلاً. إذ قالت: "قبل ثلاثة أسابيع، اضطررنا إلى الفرار مرة أخرى، ولم نتمكن من أخذ الكثير معنا".
وفي صباح أحد الأيام، استيقظت عائلتها لتجد كتلة خرسانية صفراء موضوعة على بعد أمتار قليلة من منزلهم. فأخذوا ما استطاعوا وهربوا.
وأضافت: "بعد أيام قليلة من مغادرتنا نحن وجيراننا، قاموا بقصف منازلنا وحوّلوا الحي بأكمله إلى ركام".
وختمت بالقول: "يعتقد العالم أن وقف إطلاق النار ساري المفعول، لكننا ما زلنا نعيش مراحل من الحرب، بينما يمر الاحتلال دون إدانة لأنه يعمل بهدوء وسرعة. كل يوم، تحدث تقدّمات، وغارات جوية، ونيران مدفعية. لا يتوقف النزوح أبداً — وكل ذلك يحدث في صمت تام".
لقراءة نص التقرير كاملا في موقع ميدل إيست آي أضغط هنا
