أبرزت صحيفة الغارديان البريطانية أن وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني المتطرف، إيتامار بن غفير، جعل من إساءة معاملة الفلسطينيين الأسرى بطاقة تعريف مروعة، بحيث يحتفل بالقسوة علناً، وغالباً ما يظهر ذلك في مقاطع الفيديو.
وأشارت الصحيفة إلى أنه خلال فترة ولايته، أصبح العنف، بما في ذلك الاغتصاب والجوع الشديد والإذلال، أمراً معتاداً في السجون الإسرائيلية. وتقول منظمات حقوقية إن مراكز الاحتجاز تحولت إلى "معسكرات تعذيب" للفلسطينيين.
ويتباهى بن غفير بإشرافه على "ثورة في السجون"، مصرحاً للمشرعين عام 2024: "أنا فخور بأننا غيرنا جميع الظروف". وقد نشر مراراً وتكراراً مقاطع فيديو لزيارات يُظهر فيها أو يشارك في أعمال إساءة معاملة.
وأصبحت هذه المظاهر أمراً طبيعياً في دولة الاحتلال الإسرائيلي، وتم تجاهلها إلى حد كبير دولياً حتى هذا الأسبوع، عندما قام بتوسيع نطاق نموذج سوء المعاملة المتلفزة ليشمل النشطاء الأجانب.
واعترض الجيش الإسرائيلي أكثر من 400 رجل وامرأة من 44 دولة في المياه الدولية أثناء محاولتهم الإبحار إلى غزة حاملين إمدادات إغاثية.
وفي اليوم التالي، نشر بن غفير مقطع فيديو يظهر فيه قوات الأمن وهي تعتدي على المعتقلين. وتضمن المقطع لقطات له وهو يلوح بالعلم الإسرائيلي ويسخر من صفوف النشطاء الذين أُجبروا على الركوع وأيديهم مقيدة وجباههم على الأرض.
موجة استنكار دولية ضد بن غفير
وقد أثارت هذه الصورة، التي حملت عنوان "مرحباً بكم في إسرائيل"، موجة استنكار فورية وساحقة من جميع أنحاء العالم، بما في ذلك من قادة إيطاليا وكندا، ووزراء خارجية في أنحاء أوروبا، وربما بشكل غير معتاد، من سفير الولايات المتحدة لدى (إسرائيل) مايك هاكابي.
وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إن سلوك بن غفير "لا يتماشى مع قيم (إسرائيل) ومعاييرها"، رغم أنه يتوافق مع سجله الحافل خلال فترة حكمه التي امتدت قرابة أربع سنوات.
وقالت يارا هواري، المديرة المشاركة لشبكة "الشبكة" الفلسطينية للسياسات، على وسائل التواصل الاجتماعي: "لا ينبغي أن يفاجئ أحداً فيديو بن غفير الذي ينشر إساءة معاملة نشطاء أسطول الحرية المحتجزين في مراكز الاحتجاز الإسرائيلية، ليس إذا كنت قد استمعت إلى الفلسطينيين ولو لجزء من الدقيقة".
وتُظهر البيانات الإسرائيلية أن ما لا يقل عن 98 فلسطينياً استشهدوا في الحجز منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، من بينهم شاب يبلغ من العمر 17 عاماً يُرجح أنه توفي جوعاً. وقد أمرت المحكمة العليا الإسرائيلية الحكومة مراراً وتكراراً بإنهاء الحرمان من الغذاء.
وتشمل الانتهاكات الموثقة بحق المعتقلين اعتداءً واغتصاباً تم تصويرهما بكاميرات المراقبة وأبلغ عنهما مسعفون إسرائيليون الشرطة. ووصف نتنياهو الجناة المزعومين بأنهم "أبطال"، واعتبر محاولة محاكمتهم بوصفهم "مجرمين" أمراً مرفوضاً.
التعذيب روتيني ضد الأسرى
قال تال شتاينر، المدير التنفيذي لمنظمة "هاموكيد" لحقوق الإنسان ومقرها القدس، إن أشكال الإساءة "المروعة وغير المبررة" التي ظهرت في فيديو بن غفير تُستخدم بشكل روتيني ضد الأسرى الفلسطينيين، بدءاً من أوضاع الإجهاد وحتى التصوير المهين.
وأضاف: "نرحب بالاهتمام الدولي بإساءة معاملة النشطاء وبسياسات بن غفير العقابية بشكل عام، ولكن يجب ألا ننسى أن هذا ما يحدث للفلسطينيين، فضلاً عن أشكال أسوأ بكثير من التعذيب وسوء المعاملة".
ولم ينتقد نتنياهو قط الإساءة الشديدة للأسرى الفلسطينيين، كما ندد بتحقيق أجرته صحيفة "نيويورك تايمز" مؤخراً حول اغتصاب الفلسطينيين، بما في ذلك داخل السجون، ووصفه بأنه "فرية دموية"، مهدداً بمقاضاة الصحيفة.
وقال غاي شاليف، المدير التنفيذي لمنظمة "أطباء من أجل حقوق الإنسان - إسرائيل"، إن محاولة نتنياهو النأي بنفسه عن فيديو بن غفير بدت وكأنها تهدف إلى امتصاص الغضب العالمي من خلال تصوير الإساءة على أنها انحراف فردي متطرف.
وأضاف شاليف: "يتم تصوير الجرائم على أنها أفعال مستوطنين مارقين، أو حراس سجون مسيئين، أو جنود يتصرفون خارج نطاق الأوامر. وبالتالي، يتم فصل الانتهاكات المنهجية عن صانعي السياسات وعن الدولة الإسرائيلية نفسها".
وتابع: "تبقى شرعية (إسرائيل) سليمة، بينما تسمح الإدانات الشكلية لـ(المجتمع الدولي) بالحفاظ على صورته الذاتية الأخلاقية دون مواجهة الطبيعة الهيكلية للعنف".
وردّت دول عديدة على سوء معاملة مواطنيها باستدعاء السفراء الإسرائيليين لتوبيخهم رسمياً. ومن غير المرجح أن يقلق هذا الإجراء بن غفير، نظراً لانخراطه بالفعل في سجال علني حاد مع وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر الذي وصف الفيديو بأنه "عرض مخزٍ" أضر بإسرائيل.
كما صدرت دعوات دولية لفرض عقوبات على بن غفير بسبب الفيديو. وكانت عدة دول، بينها المملكة المتحدة وكندا وأستراليا، قد فرضت عليه عقوبات العام الماضي بدعوى تحريضه على العنف ضد الفلسطينيين.
ومنذ ذلك الحين، دفعت الهجمات المتصاعدة في الضفة الغربية المحتلة رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود أولمرت إلى دعوة المحكمة الجنائية الدولية للتدخل "لإنقاذ الفلسطينيين ونحن الإسرائيليين" من عنف المستوطنين المدعوم من الدولة.
مادة دعائية انتخابية مبكرة
مع استعداد إسرائيل للانتخابات هذا الخريف، يرى كثيرون أن فيديو بن غفير يمثل مادة دعائية انتخابية مبكرة تستهدف ناخبي اليمين المتطرف الذين يتداولون عبر وسائل التواصل الاجتماعي نكاتاً حول تقليص الطعام المقدم للسجناء الفلسطينيين، ويطلقون عليها اسم "خطة بن غفير لإنقاص الوزن".
ومع اقتراب موعد الانتخابات، من المتوقع أن تتصاعد الخطابات والأفعال العنصرية من جانب بن غفير وغيره من السياسيين المتطرفين، في وقت نادراً ما يناقش فيه خصومهم الأكثر اعتدالاً حقوق الفلسطينيين أو قضية الاحتلال.
ويتمتع أقرب حلفاء دولة الاحتلال وشركائها التجاريين بنفوذ سياسي ومالي قادر على ممارسة ضغط حقيقي من أجل التغيير داخل تل أبيب.
وعندما قام جنود إسرائيليون بتخريب صليب وتدنيس تمثال للسيدة العذراء في لبنان، تحرك المجتمع الدولي سريعاً، وتم سجن أربعة جنود مسؤولين عن الحادثة لعدة أسابيع، كما قدمت تل أبيب اعتذاراً رسمياً.
لكن انتهاكات الدولة الإسرائيلية بحق الفلسطينيين لم تؤدِّ إلى مطالبات مماثلة باتخاذ إجراءات، إذ أمضى الاتحاد الأوروبي، أكبر شريك تجاري لإسرائيل، أكثر من عام في دراسة مقترحات لتعليق أجزاء من اتفاقية التجارة الحرة بسبب العنف في الأراضي الفلسطينية المحتلة، دون تحقيق أي تقدم فعلي.
وقالت سهاد بشارة، المديرة القانونية لمنظمة "عدالة"، التي مثلت نشطاء الأسطول: "من اللافت للنظر أن الإدانات الدولية القوية لم تأتِ إلا بعد أن تفاخر المسؤولون الإسرائيليون علناً بهذا الانتهاك".
وأضافت: "التصريحات لا تكفي. طالما أن (إسرائيل) لا تواجه أي عواقب ملموسة لتجاوزها خطاً أحمر تلو الآخر، فإن الانتهاكات ضد الفلسطينيين والمدنيين الدوليين على حد سواء ستستمر في التصاعد"
لقراءة نص التقرير كاملا على صحيفة الغارديان أضغط هنا
