الساعة 00:00 م
الأحد 23 اغسطس 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.07 جنيه إسترليني
4.21 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.49 يورو
2.99 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

طائرات أطفال غزة تتحول إلى هدف حربي بأوامر "كاتس"

قرية "أم صفا" المعزولة.. حين تصبح تفاصيل الحياة اليومية تحديًا للبقاء

بالفيديو والصور ألعاب أطفال غزة من حق بديهي إلى رفاهية مستحيلة

حجم الخط
ألعاب الأطفال
غزة - هداية عصمت حسنين - وكالة سند للأنباء

في غزة، لم تعد الألعاب رفاهية تُنتظر، بل أصبحت تفصيلاً قاسياً يخوضه الأهالي لتعويض أطفالهم عما سرقته الحرب.

 وبينما يقف الارتفاع الفاحش في الأسعار والحصار حائلاً أمام أبسط الدمى، يضطر الآباء لاختراع بهجة صغارهم من أبسط الأدوات المتاحة.

ملاقط الغسيل..

عندما عاد الأب إبراهيم الوحيدي إلى خيمته حاملاً كيس نايلون يضم مجموعة من مشابك الغسيل البلاستيكية الملونة، طارت طفلته ذات الأعوام الأربعة فرحاً وهي تتلقفها، بعدما أقنعها بأن هذه المشابك هي لعبتها الجديدة.

حيلة اضطر إليها إبراهيم أمام ضيق الحال والارتفاع الجنوني في أسعار الألعاب إن وجدت أصلاً، محاولاً انتزاع طفلته من أجواء الخوف والقصف المتواصل.

لم يكن الوحيدي وحده من سلك هذا المسار؛ إذ تشاطره الأم ابتهال النعيزي التجربة ذاتها بعدما استلهمت الفكرة من تجارب أمهات تداولنها عبر الإنترنت لصنع وسائل ترفيهية بأقل التكاليف.

جلبت النعيزي ملاقط الغسيل الملونة لأبنائها محاولة إقناعهم بأنها بديل للمكعبات الهندسية، بعد أن اختفت المكعبات البلاستيكية وقفز سعر العبوة النادرة المتبقية من نحو 20 شيكلاً (قرابة 7 دولارات) قبل الحرب إلى ما بين 300 و350 شيكلاً (ما يعادل 100 دولار).

غير أن هذه الحيلة لم ترمم أمنيات طفلها محمد (9 أعوام)، الذي لم يقتنع بتلك البدائل وظل متمسكاً بحلمه في اقتناء المجسمات الكبيرة، معبراً عن حسرته لـ "وكالة سند للأنباء": "بدي لعبة زي ما كل الناس.. كنت أحلم يكون إلي ألعاب حلوة كتير، بس إجت الحرب وما لحقت آخذ ألعابي، ولما كان عندي ألعاب كانت قليلة وما لحقتش آخذهم معي".

وفي زاوية أخرى، تعيش الطفلة ريتاج مسلم (7 أعوام) بهجة استثنائية ناقصة حين أهدتها عمتها دمية "ناجية" كانت تعود لابنتها التي تجاوزت الـ 16 عاماً.

تقول الطفلة لمراسلتنا بعفوية ممزوجة بمرارة الواقع: "كنت كثير مبسوطة لما جابتلي عمتي العروسة الكبيرة.. كان نفسي دائماً أقول لأهلي جيبولي عروسة ألعب فيها وما جابوليش من أول الحرب لأنه ما كان في ألعاب، وهلقيت كثير غاليين".

أرقام فلكية وأسعار صادمة

تصف الصحفية الغزية بيداء معمر، وهي أم لثلاثة أطفال، مشهد الصدمة الذي يعيشه أولياء الأمور داخل ما تبقى من متاجر، مؤكدة عبر صفحتها على "فيسبوك" أن فرحة الطفل باقتناء لعبة أصبحت أمنية مستحيلة بسبب منع دخول البضائع والارتفاع الجنوني في أسعار المتبقي منها.

وتستعرض "معمر" الفوارق السعرية من واقع الميدان؛ إذ توضح أن "عروسة" بلاستيكية صغيرة كانت تُباع بشيكلين بات سعرها 15 شيكلاً، بينما وصل سعر كيس المكعبات الصغيرة إلى نحو 400 شيكل بعد ألا كان يتجاوز 10 شواكل، في حين تُعرض لعبة بسيطة كانت تُباع بـ 6 شواكل بنحو 60 شيكلاً.

وتتساءل بحرقة: "هل بات مطلوباً ألا يأتوا بألعاب ليلعب بها أطفالهم؟ اللعبة في غزة لم تعد مجرد ترفيه، بل أصبحت حقاً أساسياً يُنتزع قسراً".

إغلاق المعابر وندرة البضائع

التاجر صهيب أنس، صاحب متجر ألعاب في مخيم النصيرات، يضعنا في صورة المشهد التجاري؛ موضحاً أن المعابر الرسمية أغلقت تماماً أمام دخول الألعاب منذ 7 أكتوبر 2023، بعد تصنيف الاحتلال لها ضمن "الكماليات غير الأساسية".

وفي حديثه لـ "وكالة سند للأنباء" يبين أن ما يتوفر دخل بكميات نادرة ومجهدة عبر التهريب، وتقتصر نسبته على الدمى القماشية الخفيفة بنحو 90%، في ظل غياب تام لألعاب الذكاء والمكعبات والمجسمات الهندسية.

يشير "أنس" إلى أن ندرة المعروض رفعت الأسعار بنسب تتراوح بين 5 أضعاف وتصل في أصناف لأكثر من 100 ضعف.

ويوضح أن هذا الحال دفع غالبية التجار للإغلاق لنحو ثلثي فترة الحرب أو التحول لمهن أخرى كبيع الأغذية، لافتاً إلى قصور دور المؤسسات الدولية والإغاثية في تبني مشاريع لإدخال ألعاب الأطفال والتخفيف من واقعهم النفسي المتدهور.

سلب التفريغ الانفعالي وتشوهات النمو

من جانبها، تحذر الأخصائية التربوية آمال شويدح من التداعيات العميقة لحرمان الأطفال من أدوات اللعب، مؤكدة أنه يمثل ركيزة النضج المعرفي والحركي واللغوي في مراحل الطفولة المبكرة.

وتلفت خلال حديثها لـ "وكالة سند للأنباء" إلى أن غياب اللعب والبيئات التعليمية والرياض يعطل اكتساب المفاهيم والنطق السليم، ويسلب الأطفال أداتهم العلاجية الأهم للتفريغ الانفعالي ومعالجة اضطرابات ما بعد الصدمة (PTSD).

وهذا الفقد، وفقاً لـ "شويدح"، يولد كبتاً يتحول إلى سلوكيات عدوانية أو انسحابية، بالتوازي مع شعور أولياء الأمور بالقهر والعجز لتراجع قدرتهم على تلبية أبسط رغبات صغارهم في ظل هذا الواقع الاقتصادي الخانق.

ويتعدى تأثير غياب الألعاب إلى أبعاد استراتيجية أعمق؛ فتوضح الأخصائية النفسية إيمان سالم أن أطفال غزة حُملوا مسؤوليات تفوق أعمارهم، مبينة أن حرمان الطفل من اللعب يقوده إما نحو الانطواء والعزلة المشابهة لأعراض التوحد، أو نحو تفريغ طاقته عبر العنف وإيذاء الذات، فضلاً عن اضطرابات سلوكية وصحية كالتبول اللاإرادي وصعوبات النوم والأرق المزمن.

وتشير "سالم" لـ "وكالة سند للأنباء" إلى أن انعدام المساحات الترفيهية دفع الأمهات لابتكار حلول يدوية؛ كتحضير عجينة اللعب من الدقيق والملونات بدلاً من "الصلصال"، أو تشكيل مجسمات من الأخشاب وبقايا الخراطيم.

وتُشدد على أن سلب الخيال وأدوات اللعب يمثل استهدافاً ممنهجاً للتوازن النفسي لبناة المستقبل.

واقع الطفولة في قطاع غزة

يعكس واقع الألعاب المفقودة مشهداً أوسع لأزمة إنسانية ونفسية غير مسبوقة تضرب بيئة الطفولة في غزة؛ فتشير تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" إلى أن أكثر من مليون طفل باتوا بحاجة ماسة وعاجلة لخدمات الصحة النفسية والدعم النفسي-الاجتماعي للتعامل مع الصدمات المركبة.

وترصد البيانات وجود ما لا يقل عن 17,000 طفل يعيشون منفصلين عن ذويهم أو غير مصحوبين بأولياء أمورهم، ما يضاعف حاجتهم لبيئات آمنة وأدوات تفريغ نفسي.

وتسبب تدمير أكثر من 85% من المباني المدرسية ورياض الأطفال في حرمان ما يزيد عن 625,000 طالب وطالبة من فرص التعليم التفاعلي والمساحات الترفيهية الآمنة.

وبالرغم من كل ذلك، يظل الطفل في غزة، بين ركام المنازل وأصوات القصف، يبتكر من ملاقط الغسيل وعجين الطحين مساحات مؤقتة للهو، متمسكاً بحقه الطبيعي في طفولة تحاصرها الحرب وتخنقها الأسعار الفلكية.