في زقاق ضيق من شوارع رفح المنسية، وبين جدران مهترئة تحمل قصص الألم والعذاب، كانت الطفلة فرح تقف كنجمة يتيمة في سماء مظلمة.
فرح، الطفلة التي خطفت الجلوكوما بصرها قبل أن تخطف الحرب أحلامها، كانت تتلمس بيديها الصغيرتين جدران عالم لا تعرف ألوانه ولا ترى ملامحه. بين أضلاعها الصغيرة، كانت تحمل قلبًا ينبض بالأمل رغم الغيوم الكثيفة التي تجمعت في عينيها.
في ذلك الركن المظلم من حمام زراعي مؤقت، حيث كانت العائلة تلجأ للاحتماء من جحيم الحرب، انطفأ آخر شعاع من بصر فرح. لم تعد ترى وجوه أحبائها، لم تعد تميز الليل من النهار، لكن روحها ظلت مشتعلة بنور لا يخبو. كان العالم من حولها ينهار، لكن داخلها كانت تبني قصورًا من الحلم والإصرار.
فرح لم تكن مجرد طفلة فقدت بصرها، بل كانت تحمل أحلامًا كبيرة، تطير بها إلى عوالم أخرى حيث لا وجود للحرب ولا للجلوكوما، عوالم تملؤها الألوان التي لم ترها عيناها، لكنها لطالما شعرت بها بقلبها.
"ابنتي أصبحت كفيفة"..
يقول بكلماتٍ وصوت مُثقل والد الطفلة فرح: "تصوروا أن تمسكوا بيد طفلتكم الصغيرة، تقودونها في طريق مليء بالعوائق، بينما هي لا ترى شيئًا. هذا هو حال فرح، طفلتي العزيزة، التي تعاني من الجلوكوما والماء الأزرق، وهو يتسبب في ضغط مستمر على عينيها، يدمر قرنيتها، ويجعل بصرها شبه معدوم".
ويضيف: "الوضع صعب جدًا، وابنتي أصبحت كفيفة، لا تستطيع رؤية ما حولها، وكانت فرح تشكو دائمًا من ألم في عينيها وصداع شديد، لكنها لم تكن تدرك السبب، اعتقدت أن هذه الآلام قد تكون بسبب قلة النوم أو التعب".
ويزيد، "وفي أثناء النزوح، وصلنا إلى منطقة رفح، واضطررنا للسكن في حمام زراعي، حيث كانت الحرارة لا تطاق. هناك، تفاجأت بفرح تقول لي: "يابا، بدي أطلع من هنا"، ظننت في البداية أن المكان ليس مريحًا بالنسبة لها".
ويُكمل حديثه لـ "وكالة سند للأنباء"، "سرعان ما أدركت أن الأمر أخطر بكثير، بدأت ألاحظ أن فرح لم تعد ترى الأشياء بشكل صحيح، وكانت تحاول التعرف عليها من خلال لمسها. صرت أقدم لها الأشياء وأصفها لها، فكانت تقربها من عينيها في محاولة يائسة لترى بوضوح. يومًا بعد يوم، اكتشفت أن بصرها يتلاشى".
ويُتابع بحسرة والد الطفلة، "عندما ذهبنا للطبيب، أخبرني بعد الفحص أن السبب في فقدان الرؤية كان الحرارة المرتفعة في الحمام الزراعي، المكان الذي اضطررنا للسكن فيه خلال النزوح. الآن، عندما ترغب فرح في الخروج، تحتاج دائمًا لمن يرافقها. طفلة الصغيرة، أغلى ما أملك، تواجه تحديًا كبيرًا في أبسط الأمور، وأنا أعجز عن علاجها أو التخفيف من معاناتها".
أما عن الطفلة فرح، تُعبّر ببراءة وصوت ممزوج بالحزن والألم، "أتمنى أن أرى كل شيء، أتمنى أن أرى مثل باقي الأطفال الآخرين الذين ينادونني بـ "العمية".
