في غزة، تذكرة للموت في جميع مناحي الحياة، فلم تقتصر الحرب الهمجية في قضائها على أرواح الناس من الصواريخ فحسب، بل أصبحت شربة الماء طريقاً إلى الداء والبلاء والموت، فبعد أن كانت تروي ظمأً، باتت تهلك جسداً وتقتل نفساً وتفتك بأرواحٍ كُثر.
تشير تقارير صادرة عن منظمة أوكسفام الدولية، إلى أن 88٪ من آبار المياه في قطاع غزة تضررت أو تدمرت منذ بدء الحرب في السابع من أكتوبر/ تشرين أول الماضي.
وقطعت سلطات الاحتلال إمدادات المياه عن قطاع غزة واستهدفت البنية التحتية للمياه والصرف الصحي منذ بدء العدوان على القطاع، بينما فاق منع إدخال الوقود الأزمة، وتسبب بتوقف عمل غالبية محطات تحلية المياه بشكل جزئي، ما أدى لشح كبير في مياه الشرب، وتردي جودته.
وأعلنت منظمة الصحة العالمية في تقرير لها، عن إصابة أكثر من مليون فلسطيني بأمراض الجهاز التنفسي الحاد وأكثر نصف مليون حالة إسهال حاد، و65 ألف حالة طفح جلدي.
وسجل قطاع غزة 40 ألف إصابة بالتهاب الكبد الوبائي، مقارنة بـ 85 حالة فقط بين أكتوبر/ تشرين أول 2022 ويوليو/ تموز 2023، وفقاً لبيانات الأمم المتحدة.
"بنشرب مياه وسخة"..
الشابة رؤى القطاع، من شمال قطاع غزة، تروي لـ "وكالة سند للأنباء" معاناتها وأهلها، جراء انعدام مياه الشرب النظيفة من المدينة.
تقول "القطاع"، إن حالها وعائلتها كحال باقي عائلات المدينة المحاصرة، أصبح حصولهم على شربة ماء نظيفة كحلم!، مشيرةً إلى أن طعم المياه الحالي لا يُستساغ، إضافة إلى قلة نظافته وبيعه بأسعار مضاعفة تصل لخمسة شواكل لـ "القلن الواحد".
وتشير "القطّاع" إلى أنه إذا توفرت المياه، فلا تتوفر بنظافة تامة، بل تصل نظافتها إلى ما نسبته 60% وأقل، ودائماً ما يجدوا الشوائب في آخر "قلن" الماء.
توضح ضيفتنا أن عائلتها بقيت لفترة امتدت أسبوعين، دون حصولهم على مياه صالحة للشرب، مرجعةً ذلك لعدم توفر السولار لتشغيل محطات تحلية المياه واستهداف جيش الاحتلال الإسرائيلي المتكرر لكل مَن يحاول التعايش مع الحياة في الشمال.
وعن تلك المرارة تحدثنا: "في فترة من الفترات اختفت المياه الصالحة للشرب بشكل كامل من الشمال رافقها انقطاع مياه الآبار، ما اضطرنا إلى استخدام المياه غير النظيفة ومياه البحر المالحة، ونقوم بغليها وتركها تبرد حتى نتمكن من شربها".
"نغلي مياه البحر"..
وتُضيف "القطّاع"، ولا تُعد عملية غلي الماء ثم تبريده وتعبئته في زجاجات بلاستيكية عملية سهلة، خاصة مع فقدان غاز الطهي والاعتماد على الحطب بشكل كلي.
لا ينتهي المطاف عند قذارة المياه فحسب، بل يصحب ذلك تبعات صحية ملازمة، لما تحويه المياه من جراثيم ورواسب وأمراض.
وبحسب "القطّاع" فقدت تسببت المياه الملوثة بأمراض لأفراد عائلتها منها الإسهال المستمر، وبعض أمراض المعدة بشكل عام، وكذلك إصابة عدد من أطفال العائلة بـ "الريقان".
وتستكمل "مش قليل الكيماويات والفسفور والأسلحة اللي رموها علينا وغير الحصار والهَم، من وين بدنا نشوف المياه النظيفة والأكل الصحي؟".
"أعباء جديدة"..
ولا يختلف حال السيد عماد محمد عن ضيفتنا "رؤى"، وهو الذي ازداد عبء المياه على عاتقه فوق أعباء الحصار الأخرى.
يقول "محمد" لـ "وكالة سند للأنباء"، إنه يسعى جاهداً للحصول على شربة مياه نظيفة وإن كلفه ذلك سعراً مضاعفاً، خاصة أنه وزوجته كبيران في السن ويحتاجان لما هو صحي ونظيف.
يتابع: "نحن كعائلة نازحة وسط مدينة غزة مكونة من 8 أفراد، نحتاج إلى قلنين من المياه الحلوة بشكل يومي، وتصل تكلفتها شهرياً إلى ما يقارب 300 شيكل، بينما كان السعر قبل الحرب يصل في الشهر كأقصى حد إلى 30 شيكلا".
ويرى ضيفنا أن المياه تفتقد لأي طعم سليم مُفلتَر ونقي، إلا أنها تخبئ طعماً "إذا دخل المعدة تقيئ بعدها"، ما تسبب بالعديد من الأمراض، أبرزها الإسهال وآلام المعدة.
ويشير إلى أن المياه الأقرب للنظافة تُباع بأسعار مرتفعة عن غيرها، ومع ذلك فإنها تفتقر إلى النقاء والخلو من الرواسب.