كشف تحقيق لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) أن المستوطنين المتطرفين ضاعفوا من عمليات استيلائهم بسرعة على أراضي الضفة الغربية المحتلة في خضم حرب الإبادة الجماعية المستمرة على قطاع غزة منذ 11 شهرا.
وذكر التحقيق استنادا إلى تحليل معمق، أن عدد البؤر الاستيطانية غير القانونية زاد بسرعة في السنوات الأخيرة، بحث يوجد حاليًا ما لا يقل عن 196 بؤرة استيطانية في مختلف أنحاء الضفة الغربية، تم إنشاء 29 منها العام الماضي ــ وهو عدد أكبر من أي عام سابق.
وغالبا ما تفتقر البؤر الاستيطانية - والتي يمكن أن تكون مزارع أو مجموعات من المنازل أو حتى مجموعات من الكرافانات - إلى حدود محددة وهي غير قانونية بموجب القانون الإسرائيلي والدولي.
تمويل حكومي مباشر
أظهرت وثائق مسربة أن منظمات ذات علاقات وثيقة بالحكومة الإسرائيلية قدمت الأموال والأراضي المستخدمة لإنشاء بؤر استيطانية غير قانونية جديدة.
ويقول الخبراء إن البؤر الاستيطانية قادرة على الاستيلاء على مساحات شاسعة من الأراضي بسرعة أكبر من المستوطنات، وترتبط بشكل متزايد بالعنف والمضايقات ضد المجتمعات الفلسطينية.
ولا توجد أرقام رسمية لعدد البؤر الاستيطانية. لكن التحقيق استعرض قوائم بها ومواقعها التي جمعتها منظمتا السلام الآن وكيريم نافوت الإسرائيليتان المناهضتان للاستيطان ــ فضلاً عن السلطة الفلسطينية التي تدير جزءاً من الضفة الغربية المحتلة.
وتم تحليل مئات الصور الملتقطة عبر الأقمار الصناعية للتأكد من بناء البؤر الاستيطانية في هذه المواقع وتحديد السنة التي تم إنشاؤها فيها. إلى جانب فحص منشورات وسائل التواصل الاجتماعي ومنشورات الحكومة الإسرائيلية ومصادر الأخبار للتأكد من ذلك وإظهار أن البؤر الاستيطانية لا تزال قيد الاستخدام.
وتشير التحليلات إلى أن ما يقرب من نصف (89) من البؤر الاستيطانية الـ 196 التي تحققنا منها تم بناؤها منذ عام 2019.
تزايد إرهاب المستوطنين
ترتبط بعض هذه الهجمات بالعنف والإرهاب المتزايد ضد المجتمعات الفلسطينية في الضفة الغربية. ففي وقت سابق من هذا العام، فرضت الحكومة البريطانية عقوبات على ثمانية مستوطنين متطرفين لتحريضهم على العنف ضد الفلسطينيين أو ارتكابه. وقد أقام ستة منهم على الأقل بؤراً استيطانية غير قانونية، أو يعيشون فيها.
ويقول القائد السابق للجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية، آفي مزراحي، إن وجود البؤر الاستيطانية يجعل العنف والتصعيد أكثر احتمالا.
ويقول "كلما أقيمت بؤر استيطانية غير قانونية في المنطقة، فإن ذلك يؤدي إلى التوتر مع الفلسطينيين الذين يعيشون في نفس المنطقة".
وتفتقر البؤر الاستيطانية إلى أي موافقة تخطيطية إسرائيلية رسمية - على عكس المستوطنات، التي هي عبارة عن جيوب يهودية أكبر حجماً، وعادة ما تكون حضرية، تم بناؤها في جميع أنحاء الضفة الغربية، وهي قانونية بموجب القانون الإسرائيلي.
إن كلا من هذه الممارسات تعتبر غير قانونية بموجب القانون الدولي، الذي يحظر نقل السكان المدنيين إلى الأراضي المحتلة. ولكن العديد من المستوطنين الذين يعيشون في الضفة الغربية يزعمون أنهم، باعتبارهم يهود، لديهم ارتباط ديني وتاريخي بالأرض.
في يوليو/تموز، أصدرت محكمة العدل الدولية، في رأي تاريخي، رأياً يؤكد على ضرورة وقف "إسرائيل" لجميع أنشطة الاستيطان الجديدة وإجلاء جميع المستوطنين من الأراضي الفلسطينية المحتلة.
دور المنظمة الصهيونية العالمية
على الرغم من أن البؤر الاستيطانية لا تتمتع بأي وضع قانوني، إلا أن هناك أدلة قليلة على أن الحكومة الإسرائيلية تحاول دعم النمو السريع في أعدادها.
اطلع التحقيق على أدلة جديدة تظهر كيف قامت منظمتان تربطهما علاقات وثيقة بالحكومة الإسرائيلية بتوفير الأموال والأراضي المستخدمة لإنشاء بؤر استيطانية جديدة في الضفة الغربية.
إن المنظمة الصهيونية العالمية هي منظمة دولية تأسست قبل أكثر من قرن من الزمان ولعبت دورا أساسيا في تأسيس دولة "إسرائيل" على حساب الأراضي الفلسطينية.
ولدى تلك المنظمة قسم للاستيطان ـ وهو المسؤول عن إدارة مساحات واسعة من الأراضي التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967. ويتم تمويل هذا القسم بالكامل من الأموال العامة الإسرائيلية، ويصف نفسه بأنه "ذراع للدولة الإسرائيلية".
وتظهر العقود التي حصلت عليها حركة السلام الآن، والتي حللتها هيئة الإذاعة البريطانية، أن إدارة الاستيطان خصصت مراراً وتكراراً أراضٍ أقيمت عليها بؤر استيطانية.
وفي العقود، تحظر منظمة الصهيونية العالمية بناء أي منشآت، وتقول إن الأرض يجب أن تستخدم فقط للرعي أو الزراعة ــ ولكن صور الأقمار الصناعية تكشف أنه في أربع حالات على الأقل، بُنيت عليها بؤر استيطانية غير قانونية.
وكشف التحقيق عن وثيقتين تكشفان أن منظمة استيطانية رئيسية أخرى - وهي "أمانا" - أقرضت مئات الآلاف من الشواكل للمساعدة في إنشاء البؤر الاستيطانية.
وهناك أيضاً اتجاه لدى الحكومة الإسرائيلية إلى إضفاء الشرعية بأثر رجعي على البؤر الاستيطانية ـ وتحويلها فعلياً إلى مستوطنات.
ففي العام الماضي على سبيل المثال، بدأت الحكومة عملية إضفاء الشرعية على ما لا يقل عن 10 بؤر استيطانية، ومنحت ستة بؤر أخرى على الأقل وضعاً قانونياً كاملاً.
طرد الفلسطينيين
تقول هاجيت عوفران من حركة السلام الآن إن السيطرة على مناطق واسعة، غالبا على حساب المجتمعات الفلسطينية، هو هدف رئيسي لبعض المستوطنين الذين يقيمون ويعيشون في البؤر الاستيطانية.
وتضيف إن "المستوطنين الذين يعيشون على قمم التلال يعتبرون أنفسهم "حماة للأراضي" وعملهم اليومي هو طرد الفلسطينيين من المنطقة".
وكشف التحقيق أن المستوطنين المتطرفين يتلقون الأموال والأراضي من مجموعات قوية مرتبطة بالحكومة الإسرائيلية ويستخدمونها لبناء بؤر استيطانية غير قانونية.
ويقول مؤيد شعبان، رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، إن المستوطنين المتطرفين من خلال تقييد الوصول إلى أراضي الرعي، قادرون على وضع المزارعين الفلسطينيين في مواقف محفوفة بالمخاطر على نحو متزايد.
ويضيف "لقد وصل الأمر إلى حد لم يعد فيه لدى الفلسطينيين أي شيء. فهم لا يستطيعون الأكل، ولا الرعي، ولا الحصول على الماء".
ويقول مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إن عنف المستوطنين في جميع أنحاء الضفة الغربية وصل إلى "مستويات غير مسبوقة".
وعلى مدى الأشهر العشرة الماضية، تم تسجيل أكثر من 1100 هجوم للمستوطنين ضد الفلسطينيين. وتقول إن المستوطنين قتلوا ما لا يقل عن 10 فلسطينيين وأصيب أكثر من 230 آخرين في الأشهر الأخيرة.