كانت هنا عائلة وكثيرٌ من حب وذكريات، وأمان بين جدران بيت وضجيج صغارٍ يتهافتون إلى أحضان أمهاتهم، وعشرات الشباب يجولون الأرض بحثاً عن حلم وطموح، وأصوات الحياة تنبض بين ثنايا "البيت والعائلة"، وفي لحظة واحدة وتصفيرة صاروخ، يعُم الصمت وتتسارع سيارات الإسعاف ثم يخرجُ خبرٌ عاجل " استشهد جميع أفراد العائلة ولم يبقَ منهم أحد"، أهلاً بكَ في غزة!
عشرات العائلات التي قضت، ولم تكن عائلة "أبو سمك" التي استشهد أفرادها فجر اليوم الإثنين في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، الأولى التي يُغير فيها الاحتلال الغاشم على عائلات كاملة في القطاع، بل سبقها الآلاف ممن مُسحوا من السجل المدني بالكامل، دون حسيب ولا رقيب، وبعد أن كان البيت ملاذاً آمناً، أصبح قبراً جماعياً وركاماً يضم رُفات آبنائه وعشرات الذكريات التي ذهبت معهم(..)
كذلك حال عائلة "ضهير" التي استشهد ١٣ فرداً منها قبل يومين في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، بينهم أطفال وسيدات، وما زالت قائمة العائلات تطول(..)
إبادة أكثر من 500 أسرة
ووثق الدفاع المدني في قطاع غزة إزالة أكثر من 500 أسرة بشكل كامل من السجلات، حتى شهر يوليو/ تموز المادي، جراء الاستهداف الإسرائيلي المباشر على العائلات في جميع محافظات القطاع.
وأكد الدفاع المدني أن غالبية الأسلحة التي استخدمها الاحتلال الإسرائيلي في قتل هذه العائلات كانت أمريكية، مشيراً إلى أن الاحتلال يتعمد ضرب المربع السكني أو المنطقة التي تضم شخصا واحدا تريد اغتياله مما يزيد في أعداد الضحايا.
ويعمل الدفاع المدني على رصد هذه الأسر والعائلات التي أبادتها إسرائيل بعدة طرق حتى يتم تزويد الفرق القانونية بالمعلومات؛ لاستخدامها كأدلة على جرائم "إسرائيل" أمام المحاكم الدولية.
وقال الدفاع المدني إن عملية توثيق العائلات التي استشهد أفرادها كافة لا تزال مستمرة رغم فقدان نحو 20% منها بسبب القصف والنزوح، واستهداف طواقم الدفاع المدني وغياب الإنترنت لتوثيقها إلكترونيا.
ولا يزال تعداد المفقودين بالآلاف لا يُعرف مصيرهم، وسط الصعوبات التي تواجهها فرق الإنقاذ الطبية والدفاع المدني في الوصول إلى الأحياء المستهدفة، نتيجة استمرار القصف العشوائي ونقص المعدات، والأضرار الجسيمة التي لحقت بالطرق.
وفي مايو/ أيار الماضي، كشف المكتب الإعلامي الحكومي أن أكثر من 3100 عائلة فلسطينية قد تعرضت للقصف الإسرائيلي الجماعي بأطنان من المتفجرات لا تترك إلا القليل من الأحياء، الذين غالبا ما يُستشهدون لاحقًا أو يفقدون أطرافهم أو بعض حواسهم.
ولفت إلى أن جيش الاحتلال يستخدم أنظمة تكنولوجية متطورة مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتحديد بيانات العائلات التي يتم استهدافها، يتم التعرف من خلالها على أعمار وأعداد الأفراد الموجودين داخل البناية، ثم يتم قصفهم بشكل وحشي متعمد من قبل سلاح الجو الإسرائيلي.
كانت هنا عائلة..
وفي إطار متابعتها، رصدت "وكالة سند للأنباء"، عدداً من بين عشرات العائلات التي أبادتها طائرات الغدر الإسرائيلية بالكامل، أو أبقت على ناجٍ وحيد منها.
ولا يخفى على أحدنا مُصاب عائلة "سالم" التي كانت تضم 170 شخصاً بين أطفال ونساء ورجال، قضى عليهم الاحتلال بالكامل في غارتين على حي الشيخ رضوان مطلع ديسمبر/ كانون الأول الماضي، لم يفصل بينهما إلى 8 أيام.
أما عائلة "عوض" إحدى العائلات التي فقدت نحو 100 من أفرادها دفعة واحدة، لم يخرج منهم سوى 10 أحياء بإصابات بالغة ومنهم من بترت أطرافه.
كذلك حال عائلة "فروانة" التي أُزيلت من السجلات المدنية كاملةً بعدما قضى الأولاد والأحفاد في قصف منزلهم بمنطقة تل الهوا جنوب غرب مدينة غزة.
وهذه عائلة الأسطل التي فقدت أكثر من 64 فرداً في هجوم استهدفهم في خان يونس خلال شهر نوفمبر/تشرين الأول الماضي، بينما مُسح مربعٌ سكنيٌ كامل كانت تسكنه عائلة "أبو قوطة" بعد استهدافهم بمنطقة الشابورة في مدينة رفح جنوب القطاع.
وفي واحدة من عمليات البحث، عثرت فرق الدفاع المدني على 37 شهيدا من عائلة "معمّر" في قصف طال الصحفي علاء معمّر بجوار المستشفى الأوروبي قبل بضعة أشهر، ما أدى لمحو 5 أسر كاملة من السجل المدني.
مجازر مستمرة..
وهذه قوافل الشهداء في عائلة "الأغا" تتعاقب منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي في مجازر إسرائيلية أسفرت عن استشهاد نحو 104 شهداء موثّقين، من بينهم 31 طفلًا و24 امرأة، بالإضافة إلى 8 معتقلين لم يعرف مصيرهم حتى اللحظة، وما زال يخفيهم قسريًّا في ظروف احتجاز صعبة للغاية.
وفي صباح السابع من يناير/ كانون ثان 2024 ارتكبت قوات الاحتلال مجزرة بحق عائلة "أبو علبة"، حين أغارَ على منازل المدنيين في منطقة الفالوجا بمخيم جباليا شمال القطاع؛ وارتقى ما يزيد عن 70 شهيدًا ومعظمهم من الأطفال.
وفي 17 سبتمبر/ أيلول الجاري، ارتكبت قوات الاحتلال مجزرة جديدة في مخيم البريج وسط قطاع غزة راح ضحيتها العشرات من الشهداء والجرحى.
وذكرت مصادر طبية أن قوات الاحتلال استهدفت بحزام ناري أربعة منازل في بلوك 12 وسط لكل من عائلة "أبو شوقة"، "الترتروي" و"البطران"، بينما استُهدفت سيارات الدفاع المدني التي وصلت للإنقاذ الجرحى، ومُسحت عائلات كاملة من السجل المدني في هذه المجزرة.
وما زالت قائمة العائلات المغادرة تطول، في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة المستمرة في يومها الـ353، وغياب المحاسبة الإسرائيلية واستباحة الدم الفلسطيني بشكل وحشي.
واجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي حالة من الحزن تتجدد في كل استهداف ومع كل شهيد، وسط مطالبات بوقف شلال الدماء النازف في قطاع غزة، ووضع حدٍ لهذه الحرب التي لم تترك أخضراً ولا يابساً إلا وأتت عليه.
وإليكم بعض ما رصدته " وكالة سند للأنباء" على مواقع التواصل الاجتماعي: