تحت جنح الظلام، يسيرون أفواجًا على أقدامهم التي أنهكها السعي وراء كسرة خبز أو شربة ماء، يتزاحمون بأكياسهم الفارغة على الطريق المؤدي لمقر المساعدات الأمريكية- الإسرائيلية المغمسة بالدم والإذلال، وهم يعلمون أنهم يحملون أرواحهم على أكفهم على ذات الطريق.
فجر اليوم الثلاثاء، لم يختلف كثيرًا عن الأيام التي سبقته منذ بدء توزيع المساعدات الأمريكية على المجوّعين، لتعود الأكياس الفارغة التي حملها الجائعون ملطخة بدمائهم وأشلائهم، بعد أن نفذ جيش الاحتلال مجزرة مروعة بحقهم، راح ضحيتها 27 شهيدًا وأكثر من 90 مصابًا.
وعلى وقع المجزرة يروي بعض الناجين منها تفاصيل ما عاشوه من لحظات مرعبة، ليقول أحدهم وهو يسير حاملًا القليل مما تمكن من الحصول عليه من المساعدات: "لقمة مغمسة بالدم.. احنا قاعدين بنموت".
في حين يروي الشاب نديم زعرب شهادته عما حصل معه خلال توجهه لاستلام مساعدات من مقر المساعدات الأمريكية، قائلًا: "كنا نسير باتجاه المساعدات عند الساعة الثانية فجرًا، وعند وصولنا لدوار فش فريش، صار هناك إطلاق نار من الطائرات والدبابات والجنود".
ويكمل وتعابير التعب والقهر بادية على وجهه: "حاولنا الاحتماء بالجدران صرنا نركض والناس يتساقطون أرضًا وهم مصابون".
وعن إصابة أحد المواطنين أمامه يقول نديم: "كان الشاب يخفض رأسه خشية الإصابة لكنه أصيب برأسه وسقط أرضًا أمامي، حاولت أن أسحبه لكني لم أستطع من شدة إطلاق النار باتجاهنا".
ويؤكد الشاب الناجي من مجزرة المساعدات عدم وجود أي مبرر لاستهداف المجوعين الباحثين عن الطعام، ويقول: "لم نفعل شيئًا خاطئًا نحن لم نصل أصلًا للمكان".
ويروي الدكتور نظام سلامة جزءًا من تجربته مع ما يصفها بأماكن الموت، حيث "تسقط كل معاني الإنسانية والأخلاق ويبدأ سيناريو البلطجة والشبيحة والزعرنة.."، كما يصف.
وبين سلامة، في منشور له عبر فيسبوك، أن الوصول لمركز المساعدات يتطلب الخروج الساعة الثانية فجرًا، والمشي نحو 12 كيلومترًا ذهابًا وإيابًا، والانتظار حتى الساعة الخامسة، وسط جموع غفيرة، ينهال عليهم الرصاص من كل جانب، قبل السماح لهم بالحصول على كميات قليلة من المعلبات وغيره.
وتحدث سلامة عن حالة زحام شديدة، وتسابق المواطنين الجوعى للحصول على أقل القليل من المؤونة، وسط مخاطر القتل أو السقوط أرضًا وغير ذلك.
وقال "الشهداء يتساقطون تترا وكذا الجرحى من حولك، ولا تستطيع أن تفعل لهم شيئا.. إذن هي لقمة مغمسة بالدم وكل هذا المشهد ليلتقطوا الصورة ويخرج لك مأفون يقول لك هذه أفضل آلية كي لا تصل المساعدات لحماس".
واعتبر أن آلية توزيع المساعدات لا تعدو كونها "مؤامرة كونية لسحق الإنسان الفلسطيني بطريقة صفيقة ووضيعة ووقحة"، داعيًا المواطنين لعدم التوجه لتلك المراكز حفاظًا على حياتهم وكرامتهم.
وارتكب جيش الاحتلال الإسرائيلي مجزرةً جديدة صباح اليوم الثلاثاء، باستهداف مئات الفلسطنيين خلال انتظارهم توزيع على المساعدات الإنسانية غرب مدينة رفح جنوب قطاع غزة، ما أسفر عن استشهاد 27 مواطنًا وإصابة أكثر من 90 آخرين.
وقالت وزارة الصحة الفلسطينية في إحصاءٍ محدث تلقته "وكالة سند للأنباء"، إنّ 27 فلسطينيًا استشهدوا صباح اليوم، وهم ينتظرون المساعدات في المنطقة المخصصة لتوزيعها المعروفة بـ "منطقة العلم" غرب رفح.
وأكد مراسل "وكالة سند للأنباء" نقلا عن شهود عيان، أنّ جيش الاحتلال أطلق النار بشكلٍ مباشر على آلاف الأشخاص الذين تجمعوا قرب المواصي في طريقهم للوصول إلى مركز توزيع المساعدات في جنوب القطاع.
وهذا العدد، يرفع حصيلة الشهداء المرتبطة بتوزيع المساعدات إلى 102 شهيد منذ بدء العمل بآلية المساعدات المدعومة أمريكيًا وإسرائيليًا قبل 8 أيام، وفق المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة.
وكان المفوّض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين "أونروا" فيليب لازاريني، قد حذّر من أن آلية التوزيع الجديدة تمثل "فخًا مميتًا" يجبر الناس على التنقل إلى مسافات بعيدة، ما يجعلهم أهدافًا مباشرة.
فيما دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أمس الاثنين، إلى تحقيق مستقل في قتل "إسرائيل" للعشرات من الفلسطينيين قرب مركز توزيع مساعدات غذائية في قطاع غزة، مضيفًا أنّه من من غير المقبول أن يُعرض المدنيون حياتهم للخطر من أجل الحصول على الغذاء.
