يُشهر المستوطنون ومن خلفهم جيش الاحتلال الإسرائيلي سلاح التعطيش لتهجير تجمعات فلسطينية بمنطقة شلال العوجا شمال أريحا تمهيداً لابتلاع عشرات آلاف الدونمات، وخنق زراعة استراتيجية يعتمد عليها أصحاب الأرض، وإحداث كارثة بيئية على وقع مسلسل سرقات الثروة الحيوانية عصب حياة البدو دونما انقطاع.
وتُلقي اعتداءات المستوطنين الممنهجة بظلالها على تفاصيل يوميات الوجود الفلسطيني في منطقة الشلال وامتداداته جنوبا، حيث تطال زهاء 12 تجمعاً فلسطينياً وأكثر من 15 ألف رأس من الأغنام.
وتفتح هذه الاعتداءات أبواب التهجير على مصراعيها عبر التعطيش ونهب المياه، لحساب بضعة مستوطنون نصبوا بؤرة رعوية مؤخراً فيها.
صمود وثبات..
ويشدد مسؤولون حكوميون ومرابطون من بدو فلسطين في أحاديث منفصلة لـ"وكالة سند للأنباء"، على الغاية الخطيرة والوسيلة الخبيثة التي يتوسم المستوطن الوصول اليها، حاملاً اسطوانته المشروخة القديمة الجديدة وهي التهجير القسري وإخلاء جغرافيا الموقع الحيوي الغني بالمياه والخصوبة.
وعلى وقع الاستهداف اليومي لحياة المختار سلامة العمرية الكعابنة وعائلاته، يُظهر التصميم على الصمود والبقاء، ويشحذ همم من معه بأحقية التواجد لإفشال مخططات الاستيطان التي وضعت عينها على مناطق الشلال التاريخي الهام وقهر أساليب المستوطن أفيشاي الذي نصب خيامه فيها.
ويشرح "الكعابنة" لـ"وكالة سند للأنباء" سيل الاعتداءات اليومية في الليل والنهار، قائلاً إن المستوطن "أفيشاي" وتحت حماية جنود الاحتلال، يهاجمهم في الليل والنهار ويدمر شبكة الكهرباء من الطاقة الشمسية وأنابيب المياه ورشق الحجارة ومحاولات دهس الرعاة والأهالي.
بينما يحرم هذا المستوطن المواطنين من مياه الشلال التي تبخرت على غير عادتها، ما أجبر السكان على تقسيم الساعات لنوبات الحراسة لضمان عدم قتلهم وحماية أرواح ومقدرات أكثر من 30 عائلة من "الكعابنة".
ويكشف "الكعابنة" عن سرقة المستوطنين لأكثر من 300 رأس من الغنم في شهر آب الماضي تلاها سرقات عدة، مشيرًا إلى أن المستوطن جاء للمكان في أعقاب السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، ومنع الأهالي من الوصول لمياه الشلال وقنوات الماء، ما ترك أثره القاسي على الحياة.
ولا تبعد بؤرة "أفيشاي" الرعوية عن مساكن "الكعابنة" إلا 300 متر هوائي وهو ما حول حياة العائلات لسجن موحش لا يغادرونه ولا تتمكن مواشيهم من مغادرة مأواها للرعي والشرب.
ويجذر "الكعابنة" من رحيل عائلة واحدة من التجمع الذي وصفه بخط الدفاع الأول عن المنطقة الحيوية، مطالباً الحكومة الفلسطينية بضرورة تعزيز صمودهم في المنطقة ومؤازرتهم ضد انتهاكات المستوطنين.
مخاطر تنكشف..
ويلتقي نايف طريف الرشايدة مع "الكعابنة" في فهمهم لخطط الاستيطان في المكان وخلاصته التهجير القسري والتفريغ، مبيناً أنه تمت سرقة 1500 رأسا من الأغنام تملكها عائلته ومصادرتها.
ويوضح أنه توجه نحو مركز شرطة "شاعى بينامين" جنوب القدس خلال شهر رمضان، بينما حُظر عليهم لثلاثة أيام تقديم شكاوى ومطالبات باستعادة الأغنام.
ويستعرض "الرشايدة" لـ"وكالة سند للأنباء" حياة القسوة الناجمة عن تجفيف ينابيع الشلال والاعتداءات اليومية، مؤكداً أن شريان الحياة الرئيسي هو توفير المياه للإنسان والأغنام التي فقدت أعلافها ومراعيها وحمايتها.
ويرى "الرشايدة" أن هناك مخاطر أخرى بدأت ملامحها تتكشف جراء الاستهداف اليومي ووسائل الضغط للتهجير، تتمثل بوضع المستوطنين عيونهم على امتداد جغرافي متسع يبدأ من جنوب العوجا نحو منطقة المعرجات وعرب المليحات.
بينما تنزرع مستوطنات "عومر ومفوت يريحو" في طريق الامتداد، ما يعني في حال نجاح المستوطنين ابتلاع التواصل وحركة المواصلات والتنقل بين أريحا والأغوار ورام الله والمنطقة إلى غير رجعة.
ويقول عضو لجنة الدفاع عن منطقة شلالات العوجا عايد موسى كعابنة لـ"وكالة سند للأنباء"، إن عدد عائلات المنطقة حوالي 127 عائلة بتعداد يتجاوز الألف فلسطيني بينهم 140 طالب في المدارس وروضة الاطفال فقدوا معينهم وأنصارهم.
ويتهدد سيف الترحيل والتفريغ الجبري حياة الأهالي، مشدداً أن حيوية الشلال والينابيع سر الصمود وصراع البقاء في واقع منزوع القدرات وإمكانيات الثبات على الأرض، في الوقت الذي يقود فيه نشطاء الاستيطان حملات التعطيش وتدمير خطوط المياه وتخريب تنكات المياه ومنعها من الوصول.
ويلفت "الموسى" أن الشلال وتفرعاته وينابيعه ليست مصدرا للسياحة فحسب، بل تُعد أهم ينابيع الضفة الغربية الكبيرة وأهم معادلة في الأغوار الفلسطينية.
ويُنبِّه أنه في حال مواصلة فقدان الأمن والأمان ومقومات الصمود وتعزيزه، فإن مغادرة الأهالي تعني أن الاستيطان سيضع يده فوراً ويحقق أحلامه ومخططاته ومكائده.
معركة قطرة الماء..
ويتفق محافظ أريحا والأغوار حسين حمايل مع وجهاء التجمعات البدوية ويقول: إن عنوان المعركة الحالية هو قطرة الماء التي يستخدمها نشطاء الاستيطان لتنفيذ التهجير والترحيل.
بينما نفذ المستوطنون مشاريع تحطيم مجرى شلال العوجا وضخ المياه عبر توربينات ضخمة، ساهمت في التجفيف وفقدان المياه مبكرا تحت حماية وإسناد جيش الاحتلال.
ويضيف "حمايل" لـ"وكالة سند للأنباء": "عقدنا اتفاقيات مع مانحين ومؤسسات دولية لإسناد التجمعات البدوية وتوصيل المياه؛ إلا أن موسم الجفاف والتجفيف عطل تنفيذها"، محذراً أن قطرة الماء وسيلة التهجير الحقيقي لتدمير الوجود والمشاريع الزراعية القريبة والثروة الحيوانية.
ويرى "حمايل" أن ما يتهدد الزراعات الموسمية في المنطقة هو نقص المياه الحاد، وترك بصماته على نحو 70% من الزراعات الموسمية، التي تضررت بشكل لافت.
وشكك بروايات إسرائيلية تتعلق بموسم الجفاف في الشلال، قائلاً:" إنهم يسرقون المياه عبر معدات متطورة تبدأ من وديان بلدة عين سينيا شمال رام الله وصولاً لتلال راس التين شرق المدينة".
