شهدت الضفة الغربية خلال الأسابيع الماضية توترًا بات أقرب للصدام ما بين المستوطنين، والجيش الإسرائيلي، مما أعاد تسليط الضوء على طبيعة العلاقة ما بين الاحتواء والصدام والمنفعة المتبادلة بين الطرفين.
ويرى مختصون بالشأن الإسرائيلي إلى أن نواة الصدام الحقيقي تشكلت ما بين المستوطنين والجيش، عندما تم تسليح المستوطنين لمحاربة الفلسطينيين بالضفة، وسط توقعات بانعكاسات كبيرة، وانتقال النار الى الداخل الاسرائيلي.
وظهر المشهد واضحًا في صدامات واعتداءات مباشرة على جنود وضباط، واقتحام قواعد عسكرية، وإحراق منشآت عسكرية قرب رام الله وهو ما وصفه مختصون بأنه "نقطة التحول" نحو الصدام القادم.
ويقول مدير مركز القدس للدراسات الإسرائيلية، عماد أبو عواد، إنّ الصدام قائم بين فئة قليلة من المستوطنين والجيش، وتعبر عن أقصى جناح اليمين المتطرف المتمثل بتيار "تدفيع الثمن"، و"فتية التلال" ممن يريد السير في اتجاه مشروع استيطاني عشوائي، بعيدا عن رؤية المؤسسة العسكرية والسياسية والأمنية في "إسرائيل".
ويضيف أبو عواد، في حديث لـ "وكالة سند للأنباء"، أن هذا الصدام بدأ بسبب رغبة هؤلاء المستوطنين بالخروج عن المسار اللي رسمته الدولة، وهو مسار سيء بحق الفلسطينيين لمصادرة أراضيهم واتساع الاستيطان.
ويرى أنّ هذا الصدام سيكون نواة حقيقية لصدام مستقبلي ما بين "إسرائيل" الجديدة المتمثلة باليمين القومي اليهودي الشرقي، بالتحالف مع الصهيونية الدينية وما بين الدولة في "إسرائيل"، وهو ما تحدث باحثون إسرائيليون عنه، منذ سنوات طويلة عن احتمالية وجود هذا الصدام وانتقال النار الإسرائيلي إلى الداخل وأن يقتل اليهودي الآخر.
ويشهد الصدام اليوم حالة من التجاذبات وحالة التشنج في ظل انتشار السلاح بيد كل مستوطن، وبات كل إسرائيلي يستطيع حمل السلاح مما سيكون له ارتدادات على "إسرائيل" وهي تعي ذلك تماما، ليس فقط أن المستوطنين ضد الجيش أو جزء من المستوطنين ضده، بل الحال الإسرائيلي ككل تهيأ لهذا الاتجاه بشكل أو بآخر، ما سيكون له تداعيات وارتدادات مستقبلية ليست سهلة.
ويشير أبو عواد، إلى أنّ الصدام قائم على فكر أيديولوجي توراتي تلمودي ضيق بدأ ينتشر في جبال الضفة الغربية يريد من المؤسسة حمايته وتقديم كل الخدمات له، وفي المقابل يريد الاعتداء على هذه المؤسسة، لأنه يعتبرها مقصرة وبطيئة رغم كل الإجراءات المتسارعة في الفترة الأخيرة.
دولية المستوطنين
ولجأ المستوطنون الى استخدام هذه القوة وفائض القوة باتجاه كل من يقف ضد مشروعهم، والسلاح الذي انتشر ضد الفلسطيني، لا أحد سيضمن أنه سيبقى ضد الفلسطيني.
ويُلّخص أبو عواد الحالة، بالقول: "نحن أمام دويلة المستوطنين التي بإمكانها في وقت قريب اتخاذ قرارات بمعزل عن إسرائيل، كما يُمكنها اتخاذ قرارات واتجاهات ربما تخالف الدولة، علمًا أنّ إسرائيل التقليدية تكره المستوطنين ودفعتهم طوال السنين الماضية باتجاه الضفة الغربية للتخلص منهم".
من ناحيته، يرى المختص بالشأن الإسرائيلي، عادل شديد، أن هناك عملية شحن وتحريض للأجيال الجديدة من شبان المستوطنين ضد الجيش، وخلق تصورًا أن أفراد الجيش ضدهم رغم عدم صحة هذا التوصيف.
ويعتقد أيضًا في تصريحٍ خاص بـ "وكالة سند للأنباء" أنّ حالة الصدام ناتجة عن أنّ هؤلاء المستوطنين الجدد تشبّعوا بأفكار ذات بعد ديني وقومي، وهذا المزيج من التعبئة تسبب بحالة رفض مظاهر ومعالم دولة "إسرائيل" حاليا بجيشها تحديدا الذي يُنظر إليه وكأن الجنود يتبنون مواقف ضد المشروع الاستيطاني.
ويلفت شديد، أن هذه التعبيرات الرافضة للجيش من قبل المستوطنين تُرجمت إلى تصرفات من حرق سيارات عسكرية، وإعطاب إطاراتها أو القاء الحجارة عليها.
ويتحدث عن بُعد عنصري في موضوع الصدام يتعلق بوجود جنود ليسوا يهودًا داخل الجيش الإسرائيلي أو قواته كالدروز والبدو، وهذا ما يستفز المستوطنين على قاعدة أن هذه دولة اليهود، وبالتالي ممنوع أن يكون هؤلاء ضمن صفوف المجندين.
إدارة الدولتين..
لكن مدير مركز يبوس للاستشارات والدراسات الاستراتيجية، سليمان بشارات، يرفض تصوير العلاقة بين المستوطنين الإسرائيليين والجيش على أنهم مجموعات منفلتة من القرار السياسي، وغير خاضعين للسيطرة الرسمية، لكن في الواقع، هم مدعومون من الحكومة الإسرائيلية، ويمثلون جزءًا من سياسة الاستيطان المدعومة ماليًا.
ويرى بشارات في حديث لـ "وكالة سند للأنباء" أن هناك نوعاً من "إدارة دولتين" داخل الكيان الإسرائيلي؛ عبر دولة الاحتلال ودولة المستوطنين، ضمن منهجية وهدف شامل ما بين دولة المستوطنين وما بين الدولة الرسمية، حيث كلاهما يسعى إلى تحقيق ذات الهدف المتمثل في السيطرة وفي تهجير الفلسطينيين، أو اضعاف الوجود الفلسطيني.
ويوضح بشارات أنّ ما يجري هو فعليا عملية إدارة كيانين أو دولتين في ذات الكيان الإسرائيلي، دولة المستوطنين ودولة الاحتلال الاسرائيلي بالتيارات الأخرى دولة المستوطنين.
ويعتبر أن الجيش الإسرائيلي ينظم سلوك المستوطنين بدلاً من حمايتهم، مما يعزز من العنف الممارس ضد الفلسطينيين.
ويتوقع بشارات، أن السلوك الإسرائيلي يهدف لإقناع العالم أنّ هناك دورا جوهريا ومركزيا للمستوطنين، وبالتالي يجب أنّ يعطى جماعات المستوطنين الحق في فرض السيطرة عبر تسويقهم على أنهم جهة غير مسيطرة عليها من قبل الجيش ومن قبل المستوى السياسي، ولا بد من عملية الاحتواء عبر إقامة المستوطنات.
ويُشير إلى أن هذا العنف يخدم مصالح السياسيين اليمينيين مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، الذين يعتمدون على دعم المستوطنين لضمان قاعدتهم الانتخابية.
ويختم سليمان بشارات بالقول: "هناك تسارع لدور ومنهجية المستوطنين في تنفيذ سياساتهم، مما يعكس طبيعة التواطؤ الضمني بين مؤسسات الاحتلال والمستوطنين لتحقيق أهدافهم على الأرض المحتلة".
