في ركنٍ منسيّ تحت خيمة نزوح مهترئة جنوب قطاع غزة، تصارع الطفلة حلا الهنادي (4 أعوام) الموت على مهل، جسدها النحيل، الذي لا يتجاوز وزنه ستة كيلوغرامات، تحاصره ثلاثة أعداء: مرض مناعي نادر، الجوع، والحرب.
تنتظر الطفلة الصغيرة، بين أنين الألم وصمت العجز، فرصة أخيرة للنجاة، قبل أن تنطفئ أحلامها الطفولية البسيطة.
حلا من مدينة رفح، أُصيبت عام 2022 بمرض نادر يُعرف بـ"تصلب الجلد الجهازي"، وهو مرض مناعي يهاجم الجلد والأعضاء الداخلية ويعيق النمو الطبيعي للجسد، ويُصيب شخصًا واحدًا فقط من بين كل 200 ألف إنسان.
بدأت أعراض المرض بتورم في اليدين والقدمين، ثم تطورت إلى تصلبٍ شديد في المفاصل، ما جعل جسدها هشًّا لا يتحمّل حتى حرارة الشمس.
والد حلا، رائد الهنادي (45 عامًا)، يتحدث بألم لـ "وكالة سند للأنباء"، عن معاناة طفلته، ويقول:
"كل يوم يمرّ يسلبها جزءًا من روحها. كنا نأمل علاجها في ألمانيا على نفقتي الخاصة، لكن الحرب أغلقت كل الطرق. لم تعد حلا تملك لا الغذاء ولا العلاج، حتى الهواء بات يحاصرها".
ويتابع: "قبل الحرب، كان المرض منتشرًا في 30% من جسدها، أما اليوم، وبعد نزوح متكرر وتجويع مستمر، فقد اجتاح المرض 90% من جسدها، لم يعد جلدها يعرف النعومة، بل صار يابسًا، قاسيًا كحجارة الطريق".
أما والدتها، فتروي كيف تضطر، في حرّ الصيف، إلى غمسها بالماء وتقليبها علّها تتنفس قليلًا من الراحة.
وتحتاج حلا إلى غذاء خاص، فواكه وخضروات وعناية طبية عاجلة، لكنها لا تجد إلا القليل من الخبز – إن توفّر – في ظل مجاعة خانقة يفرضها الاحتلال الإسرائيلي عبر إغلاق المعابر ومنع دخول الغذاء والدواء.
تحويلات معلّقة..
أُصدرت أربع تحويلات طبية لعلاج حلا خارج غزة، لكن لم يُنفّذ أيٌّ منها. وعن ذلك يحدثنا والدها: "تحدثتُ مع أطباء قالوا إنهم درسوا مرضها نظريًا فقط، لكن لم يسبق لهم أن شاهدوا حالة مماثلة".
ورغم الألم، لم تفقد حلا الحلم، وتقول بصوت خافت: "أنا نفسي أطيب وأمشي زي أخواتي وأركب البسكليت".
لكن حلمها البسيط قد لا ينتظر طويلًا، حلا تموت ببطء، وتحتاج إلى من يسمع صوتها، ويمدّ يده لينقذ ما تبقى من طفولتها المحاصرة، ولسان حالها يقول: "أين العالم؟ أين الضمير؟ أنقذوني قبل أن يُطفئ المرض آخر أمل في عينيّ".
أطفال على قائمة الانتظار..
رئيس قسم الأطفال في مجمع ناصر الطبي، أحمد الفرا، قال في حديث سابق لـ "وكالة سند للأنباء"، إن 40% من إجمالي عدد الحالات المرضية والجرحى في قطاع غزة ممّن هم بحاجة إلى السفر للعلاج، هم من الأطفال.
وينقسم هؤلاء الأطفال إلى مرضى سرطان، أو أمراض مزمنة، أو حالات بحاجة إلى تشخيص، أو إصابات حرب.
ويؤكد "الفرا" أن هذه الحالات كانت ضمن اتفاقية وقف إطلاق النار، والتي نصّت على خروج 150 إلى 200 حالة يوميًا، لكن الاحتلال لا يسمح إلا بسفر 30 إلى 35 حالة فقط، ويتم إرجاع 10% منهم، في تنصل واضح مما جاء في الاتفاق.
ولا ينتهي الأمر عند السفر، إذ يوضح "الفرا" أن عشرات الحالات التي تخرج لا تزال متراكمة في مستشفى العريش والمستشفيات المصرية، دون أن يتم التعامل معها بشكل إسعافي سريع.
وتمنع سلطات الاحتلال عشرات آلاف المرضى والجرحى في قطاع غزة من السفر للعلاج بالخارج، ما يجعلهم يواجهون خطر الموت في ظل انهيار المنظومة الصحية والطبية في القطاع الذي يرزح للعام الثاني على التوالي تحت نير حرب الإبادة الجماعية التي تشنها "إسرائيل".
وفي 2 مارس/ آذار الماضي، أغلقت "إسرائيل" معابر قطاع غزة أمام دخول المساعدات الإنسانية والإغاثية والطبية للقطاع، ما تسبب بتدهور غير مسبوق في الأوضاع الإنسانية وفق ما أكدته تقارير حكومية وحقوقية محلية.
وتحذر مؤسسات حقوقية وحكومية وأممية من تداعيات استمرار تشديد الحصار الإسرائيلي على القطاع ودخول الفلسطينيين بحالة من الجوع الحاد.
