اعتبرت مجلة ريسبونسيبل ستيتكرافت الأميركية أن الحرب التي تشنها "إسرائيل" على قطاع غزة ليست مجرد حرب، بل اعتداء أحادي الجانب على السكان المدنيين وسبل عيشهم تمهيدا لطردهم.
وقالت المجلة الصادرة عن "معهد كوينسي للسياسة المسؤولة" بواشنطن، في مقال للكاتب بول آر بيلار، إن الأخبار القادمة من القطاع لا تتحدث عن معارك، بل عن مجازر يومية يذهب ضحيتها نحو 150 مدنيا يوميا.
ولفت أن الآمال بالتوصل إلى وقف لإطلاق النار في غزة، تتلاشى بعدما انسحب المفاوضون الإسرائيليون والأميركيون من محادثات في قطر، في وقت يواصل فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الحديث عن "بدائل" لتحقيق أهداف "إسرائيل" في القطاع.
وأشار بيلار إلى تصاعد الجوع بشكل قاتل في قطاع غزة، فيما تواصل "إسرائيل" اتهام حركة "حماس" بسرقة المساعدات، رغم غياب الأدلة بما في ذلك من الجيش الإسرائيلي نفسه.
وأكد بيلار أن الجوع الجماعي في غزة هو نتيجة مباشرة لحصار "إسرائيل" وإقصائها لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، بذريعة اتهامها بالتواطؤ مع "حماس"، في حين أن السبب الحقيقي هو أن "أونروا" تُجسد اعترافا دوليا بوجود قضية لاجئين فلسطينيين.
أما البديل الإسرائيلي لتوزيع المساعدات -كما يقول بيلار- فهو "منظومة عقابية"، تخدم هدف "إسرائيل" في التطهير العرقي، من خلال حصر المساعدات في نقاط قليلة تُجبر السكان على التجمع في مناطق أشبه بـ "معسكرات اعتقال"، تمهيداً لطردهم لاحقا من غزة.
ووصف الكاتب إسقاط المساعدات على غزة من الجو بـ"خدعة مسرحية غير مجدية"، الغرض منها تهدئة الضمير الدولي، في حين يواصل الجيش الإسرائيلي منع دخول مئات الشاحنات برا ويتلف محتوياتها.
ولفت إلى مشاركة "إسرائيل" بنفسها في عروض الإسقاط الجوي للمساعدات، رغم معرفتها بسوء كفاءتها، لتحويل الأنظار عن حصارها.
ويرى بيلار أن إستراتيجية إسرائيل في غزة تقوم على "الإبادة والطرد"، وهي مقاربة عسكرية لا تهدف إلى التفاوض، بل إلى القضاء على الخصم أو إزاحته جسديا.
ويؤكد أن هذا الهدف لم يعد موجها ضد "حماس" فقط، بل ضد عموم سكان غزة، الذين يُنظر إليهم كأعداء، وهي نظرة تفاقمت منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، مستشهدا باعتراف نتنياهو علنا بأن "قتل قيادة حماس" والعمل في "كل مناطق غزة" هو جزء من "نصر كامل" يجب تحقيقه قبل وقف الحرب.
وفي ظل هذه الإستراتيجية، يؤكد بيلار أن لا معنى لانتظار تسوية تفاوضية، مضيفا أن نتنياهو يملك دوافع سياسية شخصية للإبقاء على الحرب، من بينها تأجيل محاكمته بتهم الفساد، والحفاظ على ائتلافه المتطرف المعارض لوقف إطلاق النار.
وفي المقابل، يبين بيلار أن "حماس" أبدت مرونة كبيرة خلال محادثات قطر، ووافقت على معظم بنود اتفاق توسط فيه القطريون والمصريون، وطالبت فقط بتعديلات تتعلق بضمانات إنسانية، وتحديد مواقع الانسحاب الإسرائيلي بدقة، والإفراج عن عدد من الأسرى الفلسطينيين.
ورغم ذلك، جاء الرد الإسرائيلي والأميركي بالانسحاب المفاجئ من المحادثات، ثم اتهام ترامب لحماس بـ "السعي للموت".
ويعتبر الكاتب أن تحميل "حماس" مسؤولية استمرار المجازر هو تكرار لسردية تعكس الانحياز الأميركي لإسرائيل، إذ يتم تصوير الفصائل الفلسطينية المقاومة كأصل العنف، وليس كنتيجة للاحتلال المستمر.
وخلص بيلار في ختام مقاله إلى أن ما يجري في غزة اليوم ليس صراعا عسكريا بين جيشين، بل عملية تدمير ممنهجة لشعب بأكمله، في ظل تواطؤ أميركي سياسي ودبلوماسي.
