في أحد أحياء غزة المنهكة، تجلس أمّ تُحاول أن تخفي وجعها، لكن نظراتها نحو جسد صغير يتآكل أمام عينيها تكشف كل شيء. "مريم دواس"، ابنتها ذات التسعة أعوام، لم تعد قادرة على المشي، ليس بسبب إصابة أو مرض مفاجئ، بل بسبب الجوع… الجوع فقط.
تقول والدتها بصوت متهدّج: "مريم تعاني من سوء تغذية حاد منذ أكثر من سنة ونص، لكن الوضع ازداد سوءًا بعد الحرب".
وتتابع حديثها لـ "وكالة سند للأنباء": "كانت مريم تزن 25 كيلوغرامًا قبل الحرب، والآن صار وزنها 10 كيلو فقط".
تتوقف الأم للحظة، تُمسك بيد طفلتها التي برزت عظام جسدها كهيكل عظمي، ثم تتابع: "ذهبت فيها على مشافي الشمال والجنوب، كل الأطباء قالوا لازم تنام بالمستشفى… قعدت مرة شهر كامل، أعطوها حليب علاجي، بس ما تغير شيء. دخلت وطلعت من المستشفى بنفس الوزن".
حاولت الأسرة المستنزفة طرق كل الأبواب. شهرٌ كامل قضته مريم في جمعية أصدقاء المريض، دون تحسّن يُذكر.
أمها التي لم تتلقَّ أي مساعدات منذ رمضان، تقول: "كل يوم تطلب مني عنب، سمك، دجاج… وما في إشي. والدها عاطل عن العمل، إحنا بنعيش على الفُتات".
ورغم أن تقارير الأطباء أوصت بعلاجها خارج غزة بسبب تدهور حالتها، إلا أن الرد كان دائمًا: "هناك أولويات"، لتتساءل الأم بحرقة: "من أولى من بنتي وهي بتموت قدامي؟".
الصغيرة "مريم" لم تعد تقوى على النهوض، لا من المرض فقط، بل من غياب الغذاء، وانعدام الرعاية، ومن قسوة واقعٍ لا يرحم طفلة ضعيفة تبحث فقط عن وجبة تُبقيها على قيد الحياة.
تختم الأم حديثها بدموع محبوسة: "بنتي بتموت، وكل يوم بخاف يكون آخر يوم معها".
وصباح اليوم، أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية، أن مستشفيات القطاع سجّلت خلال الـ24 ساعة الماضية 6 حالات وفاة نتيجة المجاعة وسوء التغذية، جميعهم من البالغين.
وأوضحت "الصحة" في بيانٍ تلقته "وكالة سند للأنباء"، أن الحصيلة الإجمالية لضحايا المجاعة وسوء التغذية منذ بدء العدوان ارتفعت إلى 175 شهيدًا، بينهم 93 طفلًا.
وأكدت الوزارة أن أرقام الوفيات تعكس الكارثة الإنسانية المتفاقمة التي يعيشها السكان في ظل استمرار الحصار ونقص الإمدادات الغذائية والطبية.
واستنادًا لمنظمة "العمل ضد الجوع" فإنّ نحو 20 ألف طفل نُقلوا إلى المستشفيات بسبب سوء التغذية الحاد، وأنّ 300 ألف طفل دون الخامسة و150 ألف امرأة من الحوامل والمرضعات في حاجة ماسة إلى مكمّلات علاجية.
وبلغ إجمالي حالات سوء التغذية 65 ألف حالة من كلّ الأعمار منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، بحسب ما يفيد رئيس دائرة نظم المعلومات لدى وزارة الصحة الفلسطينية زاهر الوحيدي.
