الساعة 00:00 م
الخميس 04 يونيو 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
3.85 جنيه إسترليني
4.05 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.33 يورو
2.87 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

"غزة الآن".. 9 شهداء و15 جريحا في 12 خرقا إسرائيليا جديدا لـ "الهُدنة"

صبري: لن نسمح بالتدخل في شؤوننا الدينية والآذان حق ثابت لا يمس

"اليوم أعدّ عمري بعدد قبور أهلي"..

بالصور كلمات الكبار على ألسنة الصغار.. هكذا غيّرت الحرب أطفال غزة

حجم الخط
أطفال غزة
غزة - إيمان شبير - وكالة سند للأنباء

لا ينتظر الأطفال دورهم على مقاعد الدراسة في غزة، بل ينتظرونه عند طوابير الخبز، وعند طوابير المياه التي لا تأتي إلا بقطراتها المُرّة، لا يحملون حقائب مدرسية، بل يحملون أوعية بلاستيكية فارغة، وأرغفة مكسّرة، وألف سؤال عن الحياة والموت والنجاة.

طفولة غزة لا تُقاس بالسنوات، بل تُقاس بعدد المرات التي نجا فيها الطفل من قصف، أو ركض فيها نحو مأوى، أو غطّى أذنه بصوت انفجار وهو يسأل أمه إن كان هذا آخر يوم في حياته.

تقول الأمهات إن أبناءهن صاروا يتحدثون بلسان لا يشبه أعمارهم، يختارون كلمات لم يسمعوها في قصص ما قبل النوم، بل التقطوها من رعب النزوح، ومن همس الأحاديث بين الكبار، ومن نشرة الموت اليومية.

طفل لم يتجاوز الثامنة صار يسأل عن الإخلاء الطارئ، وعن عدد الشهداء، وعن خريطة النزوح القادمة، وطفلة كانت ترسم الزهور، صارت ترسم الخيمة والبطانية وصفّ الطابور، وآخر يقول: "إذا استشهدت، اكتبوا اسمي صح، وما تنسوا صورتي."

الحرب علّمتهم أن النجاة موقّتة، وأن الخبز له ثمن، وأن الماء لا يأتي إلا بشهادة صبر، وأن النوم ليس حقًا مضمونًا.

في هذا التقرير، تصغي "وكالة سند للأنباء"، لصوت الأمهات، وتوثّق تلك اللحظات التي شعرن فيها أن أبناءهن كبروا فجأة، لا لأنهم أرادوا ذلك، بل لأن الحياة في غزة لا تمنح أحدًا وقتًا لينضج على مهل.

w1280-p16x9-2024-03-05T133707Z_621318490_RC29W5A90YHG_RTRMADP_3_ISRAEL-PALESTINIANS-GAZA-AID.jpg

"خيالات طفل"..

"غدير والدة الطفل يزن المغربي، تقول: "يزن عمره سبع سنين، بس بيحكي وكأنه عاش سبع حروب مش سبع سنين، في مرة، كنا قاعدين على باب الخيمة، سألني بهدوء: ماما، إذا استشهدت، بترضي تخلّي ملابسي لأخويا؟، ما عرفت أرد، ضميتُه وبكيت، ما قدرت أقول غير: بعيد الشر عنك يا روحي".

وتوضح وهي تمسح دموعها بطرف شالها: "يزن لم يعد يسأل عن ألعابه، صار يسأل عن دورنا في توزيع الميّة، وعن متى بيفتحوا التكية، صار عنده جدول يومي للحياة: الصبح طابور مي، وبعد الظهر تكية، والمساء قصف، والليل حلم مفزِع".

وتسرد عن مواقف طفلها مع مرارة الحرب، "صارت طيارة تحوم فوق الخيام، مسكني بإيدي وقال: يلا نتخبى، هاي شكلها طيارة بتصوّر قبل القصف"، موضحةً أن أكثر ما صدَمها هو كيف صار يراقب حركة الطائرات ويحلل اتجاهها كأنه خبير عسكري، وكأن الحرب وحدها تولّت تعليمه كل ما لا يُفترض أن يعرفه طفل في عمره".

تبكي وتكمل بصوت مخنوق: "بسمعه مرات بيحكي مع نفسه، بيحكي عن أصحابه اللي راحوا، وعن الشهيد محمود صاحبه إللي كان يلعب معه ويضلهم مع بعض في طابور المية والتكية".

وتوضح "المغربي"، وهي تضم ابنها بحذر كأنها تحميه من ذاكرته: "يزن عمره ثمان سنين، بس عنده قاموس غير كل الأطفال، سألته يوم: شو نفسك تعمل إذا خلصت الحرب؟' رد بسرعة: أوقف طابور التكية بدون ما أخاف إنه يقصفونا".

"قديش شايلة فوق كتافها"..

تروي أم محمد دحلان، بصوت مهزوز من التعب والقهر: "بنتي ميار عمرها تسع سنين، بس الله وحده بيعرف قدّيش شايلة فوق كتافها، في يوم، كنا راجعين من محطة المي، وبنتي شايلة جالون نصها أكبر منها، وقالتلي: "ماما، لو موتنا عالطريق، بصير المي إلنا ولا للي ورا؟ وقفت، ما عرفت أضحك ولا أبكي، خفت من كمية القهر اللي بجملتها."

تقول "دحلان" وهي تنظر للأرض كأنها تحاول تتهرب من السؤال، "ميار كل مواضيعها عن النزوح، عن كيف تخبي علبة بازيلا لو اضطرينا ننزح فجأة، عن متى دورنا في الخبز.

تتنهد وتقول بحسرة: "الأصعب من كل شيء، لما قالتلي: "أنا بحب غزة، بس غزة ما بتحبنا، أنا كأم، شو بدي أشرح لها؟ إنّه مش غزة اللي خذلتها، هي الدنيا كلها؟ أنا كل ليلة بتمنى تجهش بالبكاء زي الأطفال، بس ميار اختارت تصمت، وتحكي بجمل ناضجة ما إلها مكان على لسان طفلة."

11111-1-730x438.jpg

"اليوم أعدّ عمري بعدد قبور أهلي"..

أما الفتى عبد الله مغافل، يقول "عندي 14 سنة، بس بحسّ صرت أكبر من هيك بكتير، زمان، كنت أعدّ عمري بالأعياد، والهدايا، وعدد أيام المدرسة، اليوم، بعد عمري بعدد القبور إللي وقفت عندها، وبعدد الأيام اللي ضلّيت أدوّر فيها على صوت أمي وما لقيته."

يتابع بصوت خافت كأنه يحكي لنفسه: "فقدت أمي، وأبوي، وإخوتي، وعمي.. كلهم، كلهم راحوا، كانوا في البيت لما ضربوه، وأنا كنت معهم.. بس مش عارف ليس ما رحت معهم، يمكن مشان أضل أحكي عنهم، يمكن عشان أظلّ أحرس ذاكرتهم."

ويشرح وهو يشد على أصابعه الصغيرة: كنت أروح كل يوم عالمقبرة، أحكي مع القبور، أحكي بصوت عالي: ماما، بابا، بشتقلكم، أقعد هناك ساعات، كأني في بيتنا القديم، بس حتى المقبرة ما خلّوها، جرفوها بالجرافات، قلبوها تراب على تراب، اليوم، ما بعرف وين أزورهم.. حتى قبورهم فقدتها."