تجاوزت التصريحات السياسية العقائدية المثيرة التي رافقت زيارة مايك جونسون رئيس مجلس النواب الأمريكي لمستوطنة أريئيل في خاصرة شمال الضفة، الرمزية الدبلوماسية، بل اعتُبرت تكريساً أمريكياً رسمياً واضحاً للاستيطان الإسرائيلي، وتحدياً للحراك العالمي المتنامي للاعتراف بالدولة الفلسطينية.
ووُصفت زيارة "جونسون" إلى "أريئيل" برفقة وفد من أعضاء الكونغرس الجمهوريين بأنها الأولى من نوعها بهذا المستوى، وسط سيل متزايد من الانتقاد الدولي الحاد للاحتلال الإسرائيلي على خلفية سياسات العدوان والتجويع في قطاع غزة تزامناً مع سلوك ميداني لحكومة الاحتلال وقيادات الاستيطان لخلق وقائع على الأرض.
وكانت القناة السابعة الإسرائيلية قد نقلت عن "جونسون" أثناء زيارته لمستوطنة "أرئيل" ادعاءه أن "يهودا والسامرة (التسمية اليهودية للضفة الغربية) ملك للشعب اليهودي".
سيادة كاملة على الضفة..
ويُفهم من الزيارة وتداعياتها وفق المحللين والمهتمين في الساحتين الفلسطينية والإسرائيلية، أنها تحمل إضفاء الشرعية على المطالب الإسرائيلية بفرض السيادة على الضفة الغربية.
ولاقت زبدة التصريحات الأمريكية رفضاً فلسطينياً رسمياً وفصائلياً كونها تمس الحقوق الوطنية والتاريخية الفلسطينية وثوابتها، وكسرت الزجاج الحامي لها.
وأعقبت الزيارة الصادمة زيارة أخرى لمستوطنة شيلو شمال رام الله حملت دلالات عميقة، حيث كان رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو وزوجته في استقباله، وبحضور السفير الأمريكي.
المراسل السياسي للقناة السابعة الإسرائيلية فير عمار وصف الزيارة بأنها تحمل أبعاداً تتجاوز الشكل البروتوكولي وتعكس تحولاً في التعاطي الأمريكي مع ملف الضفة، تزامناً مع ارتفاع الأصوات داخل الكونغرس للمطالبة بتمكين "إسرائيل" من ممارسة سيادة كاملة على مناطق "يهودا والسامرة".
ووجهت الزيارة وفق "عمار" رسالة دعم واضحة لليمين الإسرائيلي في توقيت حساس تعكس "التحالف الأيديولوجي العميق" بين "إسرائيل" وبعض الدوائر السياسية الأمريكية، بما يكرس دعماً أمريكياً متزايداً لمشروع السيادة الإسرائيلية.
شرعنة الضم وخطة الحسم..
المختص في الشأن الأمريكي توفيق طعمة عزى تصريحات "جونسون" ومواقفه لكونه "صهيونياً مسيحياً متطرفاً" تحمل زيارته لمستوطنة أريئيل وشيلو والمسجد الابراهيمي شرعنة الضم وخطة الحسم، مشيراً لمواقف مريم أندرسون وربطها تبرعها لحملة "ترامب" بـ100 مليون دولار بدعم تنفيذ ضم الضفة.
ويحدث "طعمة" "وكالة سند للأنباء" أن تصريحات "جونسون" غير منفصلة عن تصريحات "ترامب" خلال الانتخابات الأخيرة ووعوده للحلفاء والمتبرعين بشرعنة الضم.
بينما في الواقع تتجه إسرائيل لضم الضفة بقوانينها ما يعني شطب حق تقرير المصير للفلسطيني وحقه في دولة مستقلة.
ويعتقد "طعمة" أن تصريحات جونسون تسرع في إنهاء مشروع الدولة الفلسطينية وخطوات تهويد الضفة، وتحول المشروع التهجيري الطوعي والقسري، -وهو ما يعني الخطر على الحقوق الوطنية الفلسطينية توطئة لمشروع الوطن البديل واسرائيل الكبرى-.
ووصف خليل عساف رئيس تجمع الشخصيات المستقلة الزيارة والتصريحات بالتناقض الأخلاقي والقانوني للأمريكي الذي يزعم رعاية عملية التسوية، بينما في واقع الحال طرفاً مع "إسرائيل"، وحالة تغيير في المزاج الأمريكي وسياساته الداخلية للتغطية على الجريمة الإسرائيلية ومتعة إطالة أمد القتل.
وتحاول السياسة الخارجية الأمريكية -وفق عساف- تجميل سلوكها تجاه القضية الفلسطينية والصراع، وظهر ذلك في تصريحات وزير الخارجية السابق عندما قال "جئت إلى هنا كيهودي" ولسان حاله الجاهزية للقتل فماذا ترك لوزير الحرب؟
ويرى "عساف" أن الإدارة الأمريكية وفق تصريحات "ترامب" المتوالية، بأنها "أكثر صهيونية من سموتريتش"، وهي توفر أدوات الجريمة للاحتلال والدعم اللامحدود.
ويعتبر أن الولايات المتحدة كشفت عن وجهها الحقيقي بدون تردد متجاوزة الأعراف والقوانين الدولية والدبلوماسية كافة.
سياسات أمريكية لصالح "إسرائيل"
وتدل تصريحات جونسون وفق المحلل السياسي فتحي بوزية على التماهي الكامل للولايات المتحدة بمؤسساتها مع المشروع الصهيوني والسياسة الإسرائيلية.
ويلتقي الطرفان في منطلقات دينية مردها العهد القديم وانتظار عودة المسيح وحتى الموعد سيبقون المدافع والمحامي عن "إسرائيل".
ويقول "بوزية" لـ"وكالة سند للأنباء" إن هناك مسوغات أمريكية أخرى خلف مواقفهم مردها الولاء للمال الذي تدفعه الحركة الصهيونية، يترافق مع تقدم أمريكي على المواقف المتطرفة في الاحتلال الإسرائيلي.
وتساءل "بوزية": "رئيس مجلس النواب مسيحي الديانة فلماذا لم يقم بزيارة كنيستي القيامة والمهد الخاصة بالمسيحيين وتوجه لزيارة مسجد الحرم الابراهيمي الاسلامي؟
ويتابع: "إنهم يستدعون مصطلحات دينية توراتية من العهد القديم والتوراة ويبيحون كل الجرائم ويعززون الاستيطان في العلن".
ويعيد المحلل السياسي نعمان عمرو المواقف الأمريكية الحالية و"جونسون" في مقدمتها للتحالف الصهيو أمريكي والمسيحية اليمينية الأمريكية كمُكوّن أساسي في عالمية الصهيونية، حيث باتت أكثر تطرفاً من اليمين الصهيوني وسط اعتقادات "بتعجيل عودة المسيح وحفظ الأمانة وفق أعراف العهد القديم".
وتعتمد السياسة الأمريكية والغربية على استراتيجية الحفاظ على "إسرائيل" والوصول لمنابع الطاقة الطبيعية بحسب "عمرو"، وهو ما يُظهر الأمريكي كشريك.
وحول تنفيذ الضم بتصريحات "جونسون" وما سبقها من قرار الكنيست ومواقف "سموتريتش" وحكومته يخلص "عمرو" إلى إن الضم الفعلي يتم بدون إعلان، مع إقامة دولة المستوطن في الضفة تتلقى تعاليمها من التوراة.
