أبرزت وكالة بلومبيرغ الدولية أن دولة الاحتلال الإسرائيلي تجد نفسها اليوم في وضع لم تشهده منذ تأسيسها: عزلة عالمية متسارعة تتسع يوماً بعد يوم، مع تآكل الدعم الدولي حتى من أقرب حلفائها، وتزايد الانتقادات التي تتهمها بارتكاب جرائم حرب وتطهير عرقي في قطاع غزة.
ونبهت الوكالة إلى أنه قبل أقل من عامين، حظيت تل أبيب بموجة تعاطف غير مسبوقة عقب هجوم طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023، لكن هذا التعاطف تبدد سريعاً مع التحول الممنهج للحرب الإسرائيلية إلى حملة تدمير شامل لغزة، أودت بحياة عشرات الآلاف من المدنيين، وحرمت الملايين من الغذاء والدواء في إطار حصار خانق.
واليوم، باتت دولة الاحتلال على أعتاب أوسع عزلة دبلوماسية في تاريخها، حيث تحقق المحكمة الجنائية الدولية في تهم إبادة جماعية، وأقرت عدة دول أوروبية اعترافاً رسمياً بالدولة الفلسطينية، بينما أوقفت ألمانيا – أحد أكبر مزودي السلاح لتل أبيب – صادرات عسكرية يمكن استخدامها في القطاع.
سياسات نتنياهو… طريق بلا مخرج
رد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على أشهر من الانتقادات الدولية جاء على شكل تصعيد عسكري جديد، إذ أمر الجيش بالسيطرة على مدينة غزة رغم معارضة رئيس الأركان إيال زمير، ودون تقديم أي خطة "لليوم التالي".
ورغم تبريره بأن الاحتلال سيكون مؤقتاً، فإنه تجاهل شروط الدول العربية للمشاركة في أي إدارة بديلة، ما جعل العملية بلا حلفاء وبلا خطة خروج واضحة.
حتى داخل حكومته، تعرضت خطته لهجوم؛ فوزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش انتقدها لأنها أبقت باب المفاوضات مع حركة حماس موارباً. أما عائلات الأسرى الإسرائيليين المتبقين في غزة، فترى في العملية حكماً بالإعدام على أحبائهم.
كارثة إنسانية… وعزلة سياسية
العملية العسكرية ستعني تهجيراً جماعياً جديداً لسكان القطاع، في وقت يعيش معظمهم أصلاً في ظروف مجاعة ونقص حاد في الدواء والماء، وستضع عبئاً هائلاً على الجنود الإسرائيليين لإدارة شعب ناقم.
هذه السياسات، كما يحذر خبراء إسرائيليون، ستؤسس لاحتلال طويل الأمد يهدد أمن إسرائيل بدلاً من أن يعززه.
أكثر من 550 جنرالاً ومسؤولاً استخباراتياً سابقاً في دولة الاحتلال وجّهوا رسالة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، طالبوه فيها بالضغط على نتنياهو لوقف حرب لم تعد تحقق أي هدف عسكري، مؤكدين أن استمرارها يقوّض أمن الدولة ويدفعها نحو عزلة لا يمكن تحملها.
تآكل الدعم الإقليمي والدولي
سلطت الوكالة على أن اعتماد دولة الاحتلال المفرط على القوة العسكرية في التعامل مع الفلسطينيين، ومع إيران ولبنان وسوريا، بدأ يقوّض ثقة حتى أقرب شركائها.
في الشرق الأوسط، تتزايد الأصوات التي تطالب بوقف التطبيع، وفي أوروبا يتعاظم الضغط الشعبي على الحكومات لفرض عقوبات.
رئيس الوزراء الأسبق إيهود أولمرت أقر بأن نجاح دولة الاحتلال في التصدي لصواريخ إيران الباليستية كان بفضل دعم مباشر من الولايات المتحدة وفرنسا والسعودية، محذراً من أن فقدان هذا الدعم سيترك تل أبيب مكشوفة استراتيجياً.
خطر التحولات الداخلية
داخل دولة الاحتلال تعزز نفوذ القوى الدينية المتشددة واليمين المتطرف، على حساب التيارات العلمانية التي روّجت لصورة "دولة الشركات الناشئة".
استطلاعات الرأي تشير إلى أن غالبية الإسرائيليين تؤيد استكمال الحرب، وأن نسبة كبيرة باتت تدعم فكرة إخلاء غزة من سكانها الفلسطينيين، وهي صيغة تطهير عرقي لم تكن مقبولة علناً قبل سنوات.
هذه الرؤية، التي يتبناها نتنياهو ووزراؤه المتطرفون، تهدد بإشعال صراعات أوسع، إذ لن تختفي المقاومة الفلسطينية، بل ستتصاعد في ظل فقدان الأمل بأي حل سياسي.
تاريخ من الرفض للحل السياسي
منذ بداياته السياسية، عارض نتنياهو إقامة دولة فلسطينية، ورفض الانسحاب من غزة عام 2005، وقد تأثر بأفكار والده بنزيون، المؤرخ الذي عارض تقسيم الأرض ورأى العرب "أعداء بالفطرة"، يفسر الكثير من تشدده الحالي.
ويرى البروفيسور لورانس فريدمان أن إصرار نتنياهو على الاحتلال الدائم لغزة يعني "حرباً بلا نهاية"، ستجلب لإسرائيل "انعدام أمن دائم وعزلة متزايدة".
وأكدت وكالة بلومبيرغ أن هذا السيناريو قد يتحقق سريعاً مع تراجع الدعم الغربي، وازدياد عزلة تل أبيب في الأمم المتحدة والمحافل الدولية.
الحل يتطلب كسر الجمود
رأت بلومبيرغ أن "إنقاذ" دولة الاحتلال من العزلة – ومن الانزلاق إلى مواجهة إقليمية أوسع – يتطلب ضغطاً أمريكياً مباشراً لوقف الحرب وفتح المجال أمام المساعدات الإنسانية، إلى جانب استثمار مبادرات دول الخليج للتطبيع وإعادة الإعمار مقابل التزام إسرائيلي بحل الدولتين.
كما يتطلب الأمر دوراً للمعارضة الإسرائيلية لتأمين مخرج سياسي لنتنياهو، عبر ضمان عدم إسقاط حكومته إذا أنهى الحرب، حتى لو انسحب المتطرفون من ائتلافه.
لكن استمرار الدعم الأمريكي المطلق لنهج نتنياهو، كما يظهر حالياً في إدارة ترامب، يبعث برسالة خاطئة، ويترك إسرائيل تواجه واقعاً دولياً جديداً: عزلة خانقة، وسمعة دولية مدمّرة، وتهديدات استراتيجية تتجاوز حدود غزة.
