تحت عنوان "بنيامين نتنياهو يبحث عن رده بعد نكساته الدبلوماسية"، سلطت صحيفة لوفيغارو الفرنسية الضوء على التخبط الكبير الذي يعيشه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بعد موجة الاعترافات المتتالية بدولة فلسطين من جانب دول غربية وازنة، وما ترتب عليها من اهتزاز صورته الدبلوماسية على الصعيدين الداخلي والخارجي.
وقالت الصحيفة إنه ما إن أعلنت الدول الغربية اعترافها الرسمي بفلسطين حتى سارع نتنياهو إلى التعهد بـ"الرد بالمثل"، مدعيًا بنبرة حادة أنه "لن تكون هناك أبدًا دولة فلسطينية غرب نهر الأردن".
لكن هذه العبارات، التي جاءت كرد فعل متسرع، لم تُترجم إلى أي خطوات عملية حتى الآن، بل كشفت عجزه عن بلورة سياسة واضحة في مواجهة الموجة الدولية المتصاعدة لعزل إسرائيل.
وتؤكد لوفيغارو أن نتنياهو عالق في مأزق مزدوج: ضغوط اليمين الديني المتطرف في الداخل، الذي يطالبه بخطوات ضم واسعة في الضفة الغربية، مقابل ضغوط دولية غير مسبوقة تدعوه إلى التراجع عن سياساته العدوانية والقبول بحل الدولتين.
لعبة الضم: بين الجنون السياسي والخيارات المستحيلة
داخل حكومته، يواصل كل من إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، أبرز رموز اليمين المتطرف، الضغط على نتنياهو للقيام بخطوة استعراضية كبرى عبر ضم مساحات واسعة من الضفة الغربية.
وفي أكثر السيناريوهات تطرفًا، يقترحان ضم ما يصل إلى 82% من الأراضي، وترك الفلسطينيين محاصرين في جزر معزولة من ست مدن فقط.
أما الخيار الذي يصفه مستشار الأمن القومي رون ديرمر بـ"الأكثر واقعية"، فيركز على وادي الأردن، ذي الأهمية الأمنية والزراعية، والذي يشكل شريانًا حيويًا للأردن وللاقتصاد الفلسطيني.
لكن هذه المخططات لا تعدو كونها وهمًا سياسيًا يهدد بإشعال مواجهة إقليمية، ويقوض أي فرصة لاستمرار اتفاقات أبراهام التي تباهى نتنياهو لسنوات بأنها ذروة إنجازاته الدبلوماسية.
فدولة الإمارات التي كانت من أبرز الموقّعين على تلك الاتفاقات عام 2020، أكدت بوضوح أن أي إعلان رسمي عن الضم سيكون خطًا أحمر، ما يعني أن نتنياهو يغامر بخسارة أهم أوراقه الدبلوماسية إذا استجاب لضغوط شركائه المتطرفين.
الاستيطان: سياسة الأمر الواقع
إلى جانب التهديد بالضم، لم تتوقف دولة الاحتلال عن فرض وقائع جديدة عبر الاستيطان المتسارع في الضفة الغربية. فقد أقرت حكومته خلال الأشهر الماضية بناء آلاف الوحدات الاستيطانية، في محاولة لإفراغ فكرة الدولة الفلسطينية من مضمونها، وفرض سيطرة بحكم الأمر الواقع.
وصرح وزير المالية سموتريتش بوضوح: "الرد الوحيد هو ضم أراضي الوطن اليهودي في يهودا والسامرة والتخلي عن وهم الدولة الفلسطينية".
وتكشف هذه التصريحات بحسب الصحيفة أن حكومة نتنياهو لا تسعى إلا لتدمير ما تبقى من إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، وتصر على تكريس الاحتلال كحقيقة نهائية.
عزلة دبلوماسية غير مسبوقة
تقول لوفيغارو إن نتنياهو يواجه أقسى نكسة دبلوماسية في مسيرته. فبعد أن كان يفاخر بقدرة دولة الاحتلال على كسر الطوق العربي عبر التطبيع، يجد نفسه اليوم محاصرًا باعترافات دول كبرى بفلسطين، بينها حلفاء تقليديون لإسرائيل.
في السابق، حين اعترفت إيرلندا والنرويج وإسبانيا بفلسطين عام 2024، اكتفى نتنياهو باستدعاء السفراء الإسرائيليين.
لكن تكرار هذه الخطوة اليوم أصبح أكثر تعقيدًا، إذ إن دائرة الدول المعترفة تضم بريطانيا وأستراليا وفرنسا ودول الخليج، ما ينذر بمزيد من العزلة وربما قطيعة مع عواصم كانت تعتبر تاريخيًا داعمة لإسرائيل.
خيارات عقيمة ومواجهة خاسرة
من بين "الخيارات الانتقامية" التي يدرسها نتنياهو:
إغلاق القنصلية الفرنسية في القدس أو طرد القنصل.
فرض قيود على شركات ومنظمات غير حكومية فرنسية وأوروبية عاملة في الضفة الغربية والقدس.
لكن هذه الإجراءات، حتى لو اتُخذت، لن تغير من حقيقة أن الاعتراف الدولي بفلسطين أصبح تيارًا لا يمكن إيقافه، وأن دولة الاحتلال تخسر بسرعة معركتها على الشرعية الدولية.
نتنياهو بين فشل داخلي وخارجية مدمرة
رسمت الصحيفة الفرنسية صورة قاتمة لنتنياهو: زعيم محاصر داخليًا بائتلاف متطرف، وخارجيًا بعزلة غير مسبوقة. وبدلًا من أن يواجه الواقع، يواصل المراوغة بالوعود الفارغة والتهديدات الجوفاء.
لقد فقد الرجل أوراقه الأساسية: اتفاقات أبراهام تتداعى، الدعم الأوروبي يتآكل، حتى الولايات المتحدة باتت تضع شروطًا أكثر صرامة، فيما الشارع العالمي يزداد قناعة بأن إسرائيل تتحمل المسؤولية الكاملة عن مأساة غزة وجرائم الحرب ضد الفلسطينيين.
