موجة احتجاجات واسعة في مختلف المناطق داخل "إسرائيل"، هي الأكبر منذ بداية الحرب الإسرائيلية على غزة، والتي تتزامن مع إضراب يشل كافة القطاعات الإسرائيلية، بهدف الضغط على حكومة نتنياهو، من أجل إعادة الأسرى في غزة ووقف الحرب.
وكانت عائلات الأسرى الإسرائيليين قد دعت إلى "يوم وطني لوقف مظاهر الحياة اليومية " في "إسرائيل"ـ، للإعراب عن إحباطهم المتنامي إزاء تواصل الحرب في غزة.
وتخشى عائلات الأسرى من أن الهجوم الإسرائيلي المرتقب، وخطط احتلال مدينة غزة، قد تعرض حياة الأسرى الخمسين المتبقين في غزة للخطر، والذين يُعتقد أن 20 منهم فقط ما زالوا على قيد الحياة.
وشهدت أكثر من 300 نقطة في الكيان، مسيرات ووقفات داعمة للأسرى، ورفعت فيها لافتات بصورهم، إلى جانب شعارات داعية لوقف الحرب على القطاع، فيما يتوقع أن يشارك في الفعاليات نحو مليون شخص.


كما نظمت مظاهرات أمام منازل وزراء بينهم وزير الجيش يسرائيل كاتس، للمطالبة بالإفراج عن الأسرى، إضافة لمسيرات مركبات قطعت الطرق الرئيسية.
وانضم للإضراب عدد كبير من النقابات والشركات الكبرى والجامعات، فيما أكدت هيئة عائلات الأسرى أن الإضراب سيكون خطوة مفصلية، في مسار الضغط الشعبي على الحكومة ضمن ما أسمته "المعركة الأخلاقية الأهم منذ قيام الدولة".
كما انضمت بعض مجالس المستوطنات مثل مجالس "رمات هنيغف" و"مرج يزرعيل" للفعاليات، فيما سمح اتحاد عمال مطار "بن غوريون" (اللد) للعاملين بالانضمام بشكل فردي، مع التحذير من الازدحامات وتأخيرات في الوصول إلى المطار.
ودعا المتظاهرون الحكومة إلى إنهاء الحرب في غزة على الفور، والتوسط في اتفاق لإطلاق سراح الأسرى، والتراجع عن قرارها الأخير بتوسيع عملياتها العسكرية في مدينة غزة
واعتقلت الشرطة الإسرائيلية 25 متظاهرا، خلال مشاركتهم بفعاليات الإضراب.
وقالت صحيفة "يديعوت أحرنوت"، إن الشرطة الإسرائيلية قمعت المتظاهرين في القدس وتل أبيب باستخدام خراطيم المياه، بعد محاولتهم إغلاق عدد من الشوارع والأنفاق والجسور.
ونقلت عن الشرطة الإسرائيلية قولها، إن المتظاهرين أغلقوا شوارع رئيسية وأشعلوا إطارات وعطلوا حركة السير.


ورغم أن استطلاعًا للرأي نشرته صحيفة معاريف الإسرائيلية، الأحد، أظهر تباينًا في مواقف الإسرائيليين تجاه الإضراب، إلا أنه حظي بدعم المعارضة وقطاعات إسرائيلية واسعة، هدفها الضغط على حكومة نتنياهو لاتخاذ قرار بإنهاء الحرب وعقد صفقة تعيد الأسرى من غزة.
ملامح العصيان المدني
واعتبر الخبير في الشأن الإسرائيلي أمير مخول، أن فعاليات الإضراب تعد الحدث الأضخم والأكثر صخبا منذ بداية الحرب، حجمًا ونوعًا، ومن ناحية طبيعة الشرائح المشاركة، من أطباء وأكاديميين وشركات خاصة لها وزن كبير، مثل شركات الهايتك التي توصف بأنها رافعة الاقتصاد الإسرائيلي.
وبين مخول في حديث خاص بـ وكالة سند للأنباء أن الإضراب قوي جدًّا، ويحمل ملامح العصيان المدني.
لكنه استدرك بالقول إنه من الصعب التكهن الآن في مدى قدرة الإضراب على حسم الأمور وفرض واقع جديد.
وأضاف "قد يكون غير قادر على تغيير ملموس بسبب ضعف المعارضة الإسرائيلية، والموقف الأمريكي الذي لا يدعم فكرة إنهاء الحرب، ولا يفرضها على نتنياهو".
وأشار مخول أن الإضراب يشير إلى حجم الخلاف الداخلي الإسرائيلي فيما يتعلق بالحرب على غزة، وصراع جوهري على الهوية الإسرائيلية، والانحياز لتيارات متطرفة أو معارضتها.
ويعتقد خبير الشأن الإسرائيلي أن الحراك في "إسرائيل" قد يؤثر على عدد الجنود المشاركين في الحرب، وربما يؤدي إلى تصاعد في رفض الخدمة العسكرية.
وقال "هناك صراع داخلي إسرائيلي قوي جدا، وقد تتقلص معه أهداف خطة الكابينت المتعلقة باحتلال مدينة غزة".
غير أن مخول يرى أن حكومة نتنياهو ما زامت متماسكة، والحراك في الشارع يحتاج معارضة قوية تستطيع قلب الأمور، أو تؤدي لتصدع في التحالف اليميني، أو بالتأثير في الموقف الأمريكي الذي يعد حاسمًا فيما يرتبط باستمرار الحرب أو وقفها.
رسالة ضغط قوية
بدوره، رأى الباحث في الشأن الإسرائيلي إسماعيل مسلماني أن نسب الالتزام بالإضراب كانت مرتفعة في بعض المناطق، وكان هناك تأييد ملحوظ من اتحادات مهنية محددة.
وأشار مسلماني لـ وكالة سند للأنباء أنه في قطاعات اقتصادية إسرائيلية مركزية، كالمواصلات، البنوك، المرافئ، فالالتزام غالبًا يكون جزئيًا، ويعتمد على قرار النقابات الكبرى.
وأوضح أن نتائج الإضراب لن تُترجم فورًا بتنازلات سياسية، لكنه يوجّه رسالة ضغط قوية.
وأضاف "الحكومة تراقب حجم الضرر الاقتصادي والانزعاج الشعبي، وكلما توسّع نطاق الإضراب واشتمل على قطاعات حيوية، زاد تأثيره على صانعي القرار ودفعهم إلى التفكير بخطوات استيعاب أو تنازلات محدودة لتخفيف الاحتقان".
ولفت مسلماني أن قدرة هذه الفعاليات على التوسع قائمة، موجودة، لكنها مرتبطة بوجود تنسيق أوسع بين النقابات والهيئات المهنية، وغطاء سياسي أو جماهيري متماسك، ودعم ميداني من قطاعات مختلفة، مثل طلبة الجامعات، موظفي البلديات، قطاع الصحة والتعليم.
واعتبر أن توفر مثل هذه العناصر، سيؤدي إلى تصاعد الإضراب ودفعه للتوسّع بشكل تدريجي.
وعبر الباحث مسلماني عن اعتقاده أنه إذا استمر التعنت الإسرائيلي فيما يتعلق بالحرب في غزة، وسط غياب أي حلول، فمن المتوقع أن تلجأ النقابات أو الهيئات المهنية لخطوات مشابهة أو حتى أشدّ، خاصة إذا شعروا أن الضغط الاقتصادي والإضرابات الجزئية تحقق نتائج ملموسة أو تجذب اهتمامًا دوليًا.
وزاد بالقول إن النقابات بطبيعتها تبحث عن أدوات تصعيد مدروسة، والإضراب يظلّ واحدًا من أقوى هذه الأدوات.
