في خطوة أثارت تساؤلات قانونية وسياسية، ألغى الرئيس الفلسطيني محمود عباس، المرسوم الرئاسي القاضي بتشكيل لجنة لصياغة دستور مؤقت، وذلك بعد ساعات فقط من صدوره، وفقًا لمعلومات حصرية حصلت عليها "وكالة سند للأنباء".
المرسوم الذي كان يستهدف الانتقال من وضع السلطة الوطنية إلى الدولة، يأتي ضمن التحضير لانتخابات عامة ومؤتمر سلام دولي مرتقب، جاء دون "مشاورات وطنية أو غطاء قانوني واضح"، الأمر الذي دفع جهات حقوقية إلى التشكيك في جدواه ومشروعيته.
ويحكم السلطة الفلسطينية حاليا القانون الأساسي وتعديلاته، فيما يحدد نظام الحكم في فلسطين بأنه نظام ديمقراطي نيابي يعتمد على التعددية السياسية والحزبية، وتنص المادة "115" منه على أنه "يعمل بأحكام هذا القانون الأساسي مدة المرحلة الانتقالية ويمكن تمديد العمل به إلى حين دخول الدستور الجديد للدولة الفلسطينية حيز التنفيذ".
جبارين: مرسوم ارتجالي.. والاحتجاج جاء من قانونيين
وقال رئيس مركز "الحق" لحقوق الإنسان، شعوان جبارين، إن الرئيس عباس ألغى المرسوم في الليلة نفسها، بعد احتجاجات على تشكيل اللجنة من لون سياسي واحد، وغياب أي حوار وطني شامل يسبق الإعلان عنها.
ووصف جبارين الخطوة بـ"الارتجالية"، معتبرًا أن الحديث عن دستور في هذه المرحلة "غير واقعي"، في ظل استمرار العمل بالقانون الأساسي الفلسطيني ونظام منظمة التحرير، الذي يشكل الإطار المرجعي الوحيد المعتمد.
وأوضح في حديثٍ خاص بـ "وكالة سند للأنباء" أن الاحتجاج على تشكيل اللجنة لم يقتصر على الخلفية السياسية للتشكيل، بل جاء أيضًا من شخصيات قانونية بارزة، لا سيما مع تغييب كفاءات أكاديمية وقانونية معروفة، موزعة على مواقع جغرافية متعددة.
وكشف جبارين عن أن "أسماء أُدرجت ضمن عضوية اللجنة دون علم أصحابها، وتم تعديل التشكيلة لاحقًا دون مشاورتهم"، مضيفًا أن بعض من وردت أسماؤهم عند الاتصال بهم "أبدوا استغرابهم، وأكدوا أنهم لم يُبلغوا رسميًا بأي ترشيح أو مشاركة".
ولفت إلى أن أحد المقربين من أصحاب القرار أبلغه حرفيًا: "الأمر انتهى... اللجنة أُلغيت".
وأكد جبارين أن ما جرى يعكس حالة من "الارتجال السياسي والفوضى"، نتيجة غياب المؤسسة الناظمة للعمل الوطني، وغياب التشاركية والاحتكام للمسارات الدستورية. وحذّر من أن مثل هذه المبادرات المتسرعة لا تُنتج حلولًا بقدر ما تكرّس الإرباك والانقسام.
مبررات الخطوة الدستورية..
في المقابل، بررت السلطة الفلسطينية إصدار المرسوم الرئاسي بأنه "استحقاق دستوري لترجمة إقامة الدولة الفلسطينية على الأرض"، وفق ما أكده مستشار وزارة الخارجية أحمد الديك.
وأوضح الديك لـ "وكالة سند للأنباء" أن هذه الخطوة تهدف إلى تهيئة الأرضية السياسية والقانونية لتشجيع المجتمع الدولي على الاعتراف بالدولة الفلسطينية، مشيرًا إلى أنّ عدد الدول الراغبة في الاعتراف يتزايد بشكل يومي.
وتحدث عن "مبادرة فرنسية حديثة للاعتراف بدولة فلسطين، إلى جانب تحركات من كندا ودول غربية أخرى، مؤكدًا أنّ هذه التوجهات المهمة، تتطلب بنية دستورية واضحة تعكس جدية الفلسطينيين في بناء دولتهم المستقلة.
وفي سياق مشابه، اعتبر وزير العدل الفلسطيني السابق، محمد الشلالدة، أن المرسوم يمثل خطوة قانونية أساسية في مسار التحول من السلطة الوطنية إلى الدولة الفلسطينية، ويأتي ضمن التحضير لإجراء الانتخابات وإنهاء حالة الحرب القائمة.
وأوضح الشلالدة لـ"وكالة سند للأنباء" أن تشكيل اللجنة يُعد سندًا قانونيًا لصياغة دستور يستند إلى مبادئ القانون الدولي ووثيقة الاستقلال الفلسطينية، بما يعزز مفهوم الدولة ويضمن المصلحة القانونية العليا للشعب الفلسطيني من خلال إيجاد الشخصية القانونية للدولة وتجسيد حق الفلسطينيين في تقرير المصير والسيادة.
وأكد أن السيادة لا يمكن أن تبقى مرهونة بالاحتلال، مشددًا على أن إنشاء نظام دستوري مكفول بالقانون الدولي يشكل استحقاقًا وطنيًا ودوليًا، يتكامل مع قرارات الأمم المتحدة ويضع الأسس الدستورية لإقامة حكم ديمقراطي قائم على سيادة القانون.
وشدد الشلالدة، أن هذه الخطوة تُسهم في تعزيز المكانة القانونية لفلسطين في المجتمع الدولي، وترسيخ مفهوم الدولة الفلسطينية، وتحسين معاملة مؤسساتها على الصعيد القانوني والدبلوماسي.
وتعكس هذه التصريحات توجهًا سياسيًا واضحًا لدى قيادة السلطة، نحو الانتقال إلى مرحلة ما بعد السلطة، مع ربط هذا التحول بفرص الدعم الدولي المتزايدة، خصوصًا في ظل اقتراب مؤتمر السلام الدولي المقرر عقده في سبتمبر/ أيلول المقبل.
وعلى الرغم من المبررات الرسمية، واجهت خطوة تشكيل لجنة صياغة دستور مؤقت انتقادات حقوقية أكدت على ضرورة تحقيق حوار وطني شامل وتوافق سياسي واسع، واعتبرت أن الخطوة وحدها لا تكفي دون وحدة وطنية واستراتيجية مشتركة لمواجهة الاحتلال وتحقيق الاستقلال.
حلمي الأعرج: ضرورة حوار وطني شامل ووحدة صلبة
وفي الإطار، شدد رئيس مركز حريات حلمي الأعرج، أن الخطوة الدستورية التي أعلن عنها لا بد أن تستند إلى حوار وطني شامل وتوافق بين مختلف القوى والفصائل الفلسطينية.
وأوضح الأعرج في تصريحٍ خاص بـ "وكالة سند للأنباء" أن ذلك هو السبيل الوحيد لبلورة رؤية واقعية وثورية تضمن صمود الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال.
ويعتقد أنّ الخطوة مهمة من الناحية الرمزية والسياسية، لكنها لن تكتسب بعدها الحقيقي إلا إذا رافقها بناء وحدة وطنية صلبة واستراتيجية مشتركة تخوض من خلالها القوى الفلسطينية معركة الاستقلال وإنهاء مرحلة الانتقال التي كان من المفترض أن تنتهي منذ عام 1999.
وأشار الأعرج إلى أن إعلان قيام الدولة الفلسطينية وصياغة الدستور يجب أن تتجاوز كونهما خطوات رمزية على الورق، لتصبحا معركة وطنية كبيرة تشترك فيها كل القوى الوطنية، لا مجرد إجراءات شكلية تستجيب للمزاج الدولي فقط.
وذكر أن استمرار الاحتلال في سياسات الضم والتنصل من اتفاق "أوسلو" ورفضه الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية لإنهاء معاناة الفلسطينيين وتمكينهم من تقرير مصيرهم.
"التحديات الراهنة تتطلب توافقًا وطنياً"
بدوره، أكد الحقوقي صلاح عبد العاطي، رئيس الهيئة الدولية "حشد" للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، أن الأولوية الوطنية العاجلة يجب أن تكون موجهة نحو وقف حرب الإبادة الجماعية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية، والتصدي لمخططات التهجير والضم الاستعماري والتهويد، لا الانشغال بخطوات دستورية أو مراسيم سياسية منفصلة عن واقع الأزمة.
ورأى عبد العاطي لـ"وكالة سند للأنباء" أن المراسيم الرئاسية الأخيرة، سواء المتعلقة بتشكيل لجنة الانتخابات أو صياغة دستور مؤقت، تعكس حالة انعزال القيادة عن الواقع الفلسطيني الحقيقي.
وأشار إلى أن تشكيل لجنة الإشراف على الانتخابات جاء مخالفًا لاتفاقات القاهرة والمصالحة الوطنية، وتجاوز مبدأ الشراكة السياسية، إذ اقتصر تقريبًا على لون سياسي واحد.
وأضاف أن مرسوم إنشاء دستور دولة فلسطين، وإن جاء في ظل ضغوط دولية وإقليمية لإصلاح السلطة أو الانتقال نحو الدولة، لا يمكن أن يتم عبر قرارات منفردة، بل يجب أن يخضع لاتفاق وطني شامل يُراعي التحديات الراهنة ويوحد الشعب الفلسطيني في مواجهة محاولات تصفية قضيته.
وشدد عبد العاطي، أن إعادة بناء مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني ومنظمة التحرير على أسس ديمقراطية وتشاركية، ووضع استراتيجية وطنية بقيادة موحدة، يشكل الركيزة الأساسية لإدارة المرحلة المقبلة وتجسيد دولة فلسطين على الأرض.
