لم تسلم دور العبادة في قطاع غزة من الإبادة الجماعية المستمرة التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، حيث تحولت المساجد والكنائس – التي لطالما كانت ملاذات للنازحين والضعفاء – إلى أهداف مباشرة لغارات جوية حصدت أرواح المئات، في مشهد يختزل وحشية الحرب ويكشف استهداف كل ما هو إنساني وروحي.
وأبرز موقع " ذا إنترسبت" الأمريكي، أنه منذ الأيام الأولى للهجوم، قصفت طائرات الاحتلال كنيسة القديس برفيريوس للروم الأرثوذكس – أقدم كنيسة في غزة – ما أسفر عن قتل 18 شخصًا على الأقل ممن احتموا بجدرانها.
وبعدها بأشهر، في 17 يوليو/تموز 2025، شهد العالم فصلاً أكثر مأساوية عندما قصفت المقاتلات الإسرائيلية كنيسة العائلة المقدسة، الكنيسة الكاثوليكية الوحيدة في القطاع، دون أي سابق إنذار.
الهجوم على الكنيسة الكاثوليكية أوقع ثلاثة شهداء على الفور، من بينهم سعد سلامة (60 عامًا) البواب الذي كرس حياته لخدمة الرعية، وفوميا عياد (84 عامًا) التي كرّست حياتها للتربية وخدمة المجتمع، ونجوى أبو داود (71 عامًا) التي عُرفت بإيمانها العميق وتعليم الأطفال الصلاة.
كما أصيب تسعة آخرون بينهم كاهن الرعية الأب غابرييل رومانيللي، الذي ظل رغم إصابته يتنقل بين الجرحى لمواساتهم.
"ألم يكن من المفترض أن يكون هذا ملاذًا؟"
كان مجمع الكنيسة يؤوي نحو 600 فلسطيني مسيحي، بينهم أطفال وكبار سن وأشخاص من ذوي الإعاقة. بالنسبة لهم، كانت العائلة المقدسة جدار أمان في وسط الدمار. غير أن القصف دمّر ذلك الإحساس بالأمان، وحوّل الملاذ إلى مسرح مجزرة.
قال شادي أبو داود، الذي فقد والدته نجوى في الهجوم: "كنت أشتري الخبز حين وقع القصف. عدت لأجد أمي غارقة في دمائها. ظللت أناديها: أمي، استيقظي. لكنها رحلت إلى مكان لا حزن فيه ولا ألم."
أما موسى عياد، الذي فقد عمته، فقال: "كانت عمتي رمزًا للإيمان والتعليم. ماتت تحت الأنقاض وهي التي علّمت آلاف الأطفال معنى الصلاة والأمل."
وأضاف: "الهجوم على الكنيسة لم يكن فقط قصفًا لمبنى، بل جرحًا في روح غزة كلها."
قصف يطال الروح والمعنى
لم يكن الهجوم الأخير الأول على الكنيسة، إذ سبق أن تعرضت لغارات أخرى منذ بدء الحرب. ورغم ذلك، ظل المسيحيون في غزة متمسكين بإيمانهم وصلواتهم.
الأب رومانيللي نفسه، المعروف بعلاقته الوطيدة مع البابا الراحل فرنسيس، واصل رغم إصابته قيادة القداسات وسط الركام، مانحًا أبناء الرعية بصيص أمل.
منتصر ترزي، أحد الناجين، قال: "عندما دُمّرت الكنيسة شعرنا أن إيماننا انكسر. لكنها أصبحت أكثر قيمة لأنها اليوم شاهد على آلامنا وصمودنا."
وأكد الناجون أن الاستهداف كان مقصودًا، وأنه ضرب في الصميم معنى الكنيسة كبيت عبادة وسلام. ففي اللحظة التي اهتزت فيها الجدران وسقطت الأنقاض على رؤوس المصلين، أدرك الجميع أن الاحتلال لا يفرق بين مسجد وكنيسة، ولا بين مسلم ومسيحي.
تواطؤ الصمت الدولي
الكنائس، شأنها شأن المستشفيات والمدارس، لم تكن بمنأى عن آلة الحرب. ومع ذلك، اكتفى الاحتلال الإسرائيلي بالقول إن ما حدث "حادث عرضي" ووعد بفتح تحقيق، وهو ما تكرر عشرات المرات دون أي محاسبة.
وقد أعرب البابا ليون الرابع عشر عن "حزن عميق" جراء القصف، وطالب بوقف فوري للفظائع. كما حمّلت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني دولة الاحتلال المسؤولية المباشرة عن استهداف الكنيسة.
غير أن ردود الفعل الدولية بقيت في معظمها خجولة، في وقت يتواصل فيه نزيف الدماء داخل غزة.
وحدة المصير بين المسلمين والمسيحيين
شهادات الناجين تعكس حقيقة راسخة في غزة: أن جميع السكان، مسلمين ومسيحيين، يتشاركون المصير ذاته – الخوف، الجوع، الحصار، والفقدان.
قال موسى عياد: "الهجوم لم يكن فقط على المسيحيين، بل على غزة كلها. نحن شعب واحد، نعيش الألم نفسه."
حتى في ظل المجازر، واصل السكان التضامن؛ يتقاسمون الطعام القليل، يداوون جراح بعضهم البعض، وينظفون أنقاض الكنيسة ليقيموا الصلاة وسط الركام.
واليوم، باتت كنيسة العائلة المقدسة رمزًا مزدوجًا: رمزًا للخراب الذي ألحقه الاحتلال بمقدسات غزة، ورمزًا للصمود والإصرار على الحياة. رغم النوافذ المحطمة والجدران المتصدعة، تُضاء الشموع وتُرفع الصلوات، ليبقى المكان شاهدًا على الإبادة وعلى قوة الإيمان في مواجهة الموت.
موسى عياد لخّص المأساة بقوله: "هذه الأرض تحمل قصتنا وذكريات من رحلوا. ما دمنا أحياء، سنروي قصتنا ونحمي ما تبقى من كرامتنا."
وخلص موقع ذا إنترسبت إلى أن الهجمات الإسرائيلية المتكررة على الكنائس في غزة تكشف أن الاحتلال يستهدف أكثر من الأرواح: إنه يستهدف الهوية والذاكرة والروح الجماعية للشعب الفلسطيني. وبينما يواصل العالم صمته، تتكرر المآسي داخل المساجد والكنائس والمنازل والمستشفيات.
ويبقى السؤال الذي يصرخ في وجه الضمير العالمي: كم عدد المجازر يجب أن تقع قبل أن يقول العالم "كفى"؟.
