في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة، تمكنت "كتائب القسام" من تنفيذ عملية نوعية أمس الأربعاء جنوب شرق خان يونس في القطاع، لتبرز الكمائن النوعية كأداة رئيسية في مواجهة الاحتلال وإرباك حساباته الميدانية.
فبحسب إعلان كتائب القسام، اقتحم مقاومون موقعًا مستحدثًا للعدو بقوة مشاة، واشتبكوا مع جنود الاحتلال مستخدمين عبوات "الشواظ" وقذائف مضادة للتحصينات، إلى جانب قصف المنازل التي تحصن فيها الجنود.
وأضاف الإعلان أن المقاومين نجحوا في القضاء على عدد من الجنود، وقنص قائد دبابة "ميركافا 4" بإصابة قاتلة، فيما نفذ استشهادي تفجيرًا عند وصول قوات الإنقاذ، مما أسفر عن قتلى وجرحى في صفوف الاحتلال.
تأتي هذه العملية لتؤكد مرة أخرى دور الكمائن النوعية كأداة فعالة للمقاومة في مواجهة التفوق العسكري للاحتلال، وهو ما أكده خبراء عسكريون، حيث تحولت الكمائن من مجرد تكتيكات دفاعية إلى أسلوب قتالي منظم، يعتمد على الإبداع في التمويه والهندسة الميدانية، واستدراج العدو إلى مواقع محسوبة بدقة.
توقيتٌ فارق وأبعاد متعددة
يرى الخبير العسكري نضال أبو زيد أن العملية الأخيرة تحمل دلالات زمانية ومكانية بالغة الأهمية، إذ جاءت مباشرة بعد إعلان وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس موافقته على تنفيذ عملية عسكرية جديدة في غزة، في أعقاب بلورة خطة العمليات ووضع تقدير موقف ميداني شامل، مما جعل العملية تُربك الحسابات الإسرائيلية وتخلط أوراقها.
وأشار أبو زيد في حديثٍ مع "وكالة سند للأنباء" إلى أن توقيت الكمين تزامن أيضًا مع موافقة المقاومة على الورقة المطروحة للمفاوضات، في مقابل استمرار التعنت الإسرائيلي، وهو ما منح العملية بُعدًا سياسيًا إضافيًا أربك التقديرات على أكثر من صعيد.
وأضاف أن من أبرز أبعاد العملية إدخال عنصر التفجير الاستشهادي كجزء أساسي من خطة الاشتباك، وهو ما يعكس ارتقاء أداء المقاومة إلى مستوى العمليات الوجودية، التي تهدف ليس فقط إلى إيقاع الخسائر، بل أيضًا إلى كسر معنويات العدو واستنزافه.
وقد وصف الجيش الإسرائيلي العملية بأنها هجوم منظم واستثنائي، مرجّحًا أن الهدف منها كان التسلل إلى الموقع وربما اختطاف جنود، وذلك في وقت تجري فيه مفاوضات غير مباشرة بشأن صفقة تبادل جديدة مع حركة "حماس".
وفي ضوء ذلك، يرى الخبير العسكري نضال أبو زيد أن محاولة الأسر تُعد مؤشرًا على سعي المقاومة لفرض معادلات جديدة، سواء ميدانيًا أو على صعيد المفاوضات، بما يرفع من مستوى الضغط على الاحتلال، خاصة في ظل اختلال ميزان الردع لصالحه خلال الشهور الماضية.
هندسة ميدانية واستدارج محكم
من جانبه، أكد العميد هيثم حسون، أن المقاومة الفلسطينية طورت قدراتها القتالية بشكل لافت خلال فترة الحرب، وتمكنت من التكيف مع الفجوة الكبيرة في العتاد والوسائط العسكرية، عبر أساليب قتالية خلاقة وتكتيكات عالية الدقة.
وأوضح أنّ الكمائن التكتيكية باتت تشكل أحد أبرز أدوات المقاومة، حيث يتم اعتماد أساليب تمويه وخداع محكم لاستدراج قوات الاحتلال إلى مساحات مكشوفة أو مشبكة، ما يُفقده عنصر المبادرة ويعرّض جنوده لخسائر مباشرة ومكلفة.
ونوّه حسون في تصريحٍ خاص بـ "وكالة سند للأنباء" إلى أن التنسيق العالي بين الكمائن والهجمات النارية، والظهور المفاجئ للمقاتلين في أماكن غير متوقعة، أفشل محاولات الاحتلال للتمركز أو تثبيت وجود دائم في مناطق التوغل، مضيفًا أن المقاومة تستخدم تكتيكات تتلاءم مع طبيعة الأرض والمواجهة.
وأكد أن مثل هذه العمليات منعت الاحتلال من تحقيق أهدافه الاستراتيجية، وعلى رأسها إعادة احتلال غزة أو فرض تهجير جماعي، مشيرًا إلى أن البيئة الميدانية لم تعد تسمح ببناء نقاط ارتكاز دائمة لقوات الاحتلال.
تخطيط دقيق وتوقيت حساس
بدوره، قال الخبير العسكري واصف عريقات إن عملية خان يونس الأخيرة تُعد نموذجًا متقدمًا في التنفيذ الميداني، إذ اتسمت بالدقة في التخطيط واختيار الموقع والتوقيت والهدف، واعتمدت على فريق قتالي منظم نفّذ العملية ضمن تكتيك متعدد المراحل.
وأوضح عريقات لـ "وكالة سند للأنباء" أن العملية استهدفت موقعًا محصنًا تابعًا للواء "كفير"، وأسفرت عن إصابات مباشرة في صفوف جنوده، في المكان ذاته الذي شهد مجازر ارتكبها الاحتلال خلال الأشهر الماضية، وهو ما منحها رمزية عالية في سياق الرد الميداني.
وأشار إلى أن توقيت العملية تزامن مع تحركات سياسية وعسكرية داخل المؤسسة الإسرائيلية، منها إعداد "عملية عربات جدعون 2"، ما جعل العملية ضربة استباقية أربكت الجيش وأثّرت على جاهزيته وخططه.
واعتبر عريقات أن الرسالة الأهم في هذه العملية، إلى جانب الإنجاز الميداني، هي الرسالة النفسية والمعنوية، سواء على مستوى جيش الاحتلال الذي يعاني استنزافًا متواصلًا، أو على صعيد جمهور الاحتلال الذي بات يشكك في جدوى استمرار الحرب.
