الساعة 00:00 م
السبت 18 يوليو 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.09 جنيه إسترليني
4.28 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.47 يورو
3.04 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

"غزة مُباشــر".. ثلاثـة شُهــداء في 8 خُروقـات إسـرائيليـة جديـدة لـ "الهُدنـة"

من التستر إلى الإسناد.. هكذا أصبح جيش الاحتلال قبضة حديدية للمستوطنين

"كل دقيقة تمر كانت كعمر كامل"..

بين ألم المخاض وأزيز الطائرات.. أمهات غزة يضعن أطفالهن بخيام نزوح مهترئة

حجم الخط
a0b5f6e5-0dab-4905-bbc4-c3ac8777c50c.jpeg
غزة – إيمان شبير – وكالة سند للأنباء

الولادة في غزة لم تعد لحظة فرح، بل كل ولادة تُشبه معركة نجاة، نساء يضعن أطفالهن بين خيمة ممزقة أو على قطعة قماش بالية، أصوات القصف تحاصر صرخات المخاض، ورائحة البارود تختلط بأنين الأمهات، في لحظاتٍ كان يُفترض أن تكون مغموسة بالزغاريد والدموع الدافئة، تتحول الولادة هنا إلى امتحانٍ للحياة والموت معًا.

تخرج النساء وحيدات، بلا مستشفى ولا طبيب ولا أدوية، يحملن أجسادهن المثقلة بالوجع، يواجهن الطلق في العتمة، فيما الطائرات تحوم فوق الرؤوس، والجوع ينهش الأجساد، والبرد يزحف إلى أجساد المواليد الجدد، حتى "الصرخة الأولى" التي عادةً ما تُبشّر بالحياة، تصير في غزة مشبعة بالخوف، هل سيبقى هذا الطفل حيًّا وسط الركام، أم سيلحق بضحايا الحرب قبل أن يتعلّم معنى الدنيا؟

"وكالة سند للأنباء" استمعت إلى شهادات أمهات غزة اللواتي أنجبن أطفالهن وسط خيام النزوح والدمار، حيث حملن الصغار بأذرع مرتجفة بين الركام وأزيز الطائرات، وحكين عن معاناتهن مع المخاض والجوع والخوف على حياتهن وحياة أطفالهن، في لحظات ولادة تحوّلت إلى معارك يومية للبقاء.

"وضعت طفلي على الأرض"..

تجلس فداء النجار على قطعة إسفنج مهترئة في طرف خيمتها، تحمل توأميها اللذين لم يكملا أسبوعهما الأول، وتقول بصوت متقطع: "كنت أتخيّل أن لحظة ولادتي ستكون أجمل أيام عمري، لكن الحرب حوّلتها إلى كابوس، عندما جاءني المخاض، لم يكن حولي سوى نساء نازحات مثلي، وكل واحدة تحمل همّها ووجعها، الخيمة مكتظّة بالأجساد، الأطفال يئنّون من الجوع وحرارة الجو، وأنا أحاول أن أتنفس بين الطلق والصرخات، لا طبيب، لا قابلة، ولا حتى سرير أنام عليه، وضعت طفليَّ على الأرض، فوق قطعة قماش قديمة".

تتابع وهي تهدهد التوأم، واحد على صدرها والآخر إلى جانبها: "خرج الأول ضعيفًا جدًا، وكنت خائفة أن يختنق لأن حبله السري بقي مربوطًا بقطعة قماش غير نظيفة، أما الثاني، فكان أصغر حجمًا وبكى بصوت بالكاد يُسمع، حتى خفت أن يفارق الحياة بين يدي، لم يكن عندي ماء مغلي ولا شاش نظيف، فقط ضممتهما إلى صدري طوال الليل، أتنقّل بهما بين ذراعي لأدفئ هذا قليلًا وذاك قليلًا، لم أنم لحظة واحدة، كنت أراقب أنفاسهما لأتأكد أنهما ما زالا أحياء".

وتسرد "النجار" جزءًا من معاناتها التي فاقت الخيال: "في الصباح، بحث زوجي في أرجاء الخيام عن طبيب أو مسعف، حتى صادف طبيبة نازحة، نظرت إلى التوأم وقالت إنها ستفعل ما بوسعها، لكنها لم تجد أدوات تساعدها، كل ما استطاعت فعله أن تقطع الحبل السري بطريقة بدائية وتوصينا بالصبر، كان المشهد أكبر من أن يُحتمل: طفلان وُلدا إلى عالم لا يملك لهما حتى الحليب".

تتنهد "النجار" وتقول: "ما زلت أعيش الرعب كل لحظة، أخاف أن أنام فأستيقظ فلا أجد أحدهما يتنفس، أحيانًا أسمع قصص أمهات فقدن أطفالهن هنا، فأشدّهما إلى صدري أكثر، كنت أحلم أن أستقبلهما في غرفة صغيرة ملوّنة، أن ألبسهما الجديد وأصوّرهما بابتسامة، لكنهما وُلدا في خيمة رطبة، يحيطهما البعوض والجوع والخوف".

"كل دقيقة تمر كانت كعمر كامل"..

تجلس غدير حسين، عروس مع بداية الحرب، تروي حكايتها والدمعة تحاصر عينها: "كنت أظن أن أول ولادة لي ستكون وسط فرحة الأهل والزغاريد، لكنّي وجدت نفسي في قلب خيمة مظلمة، بتمام الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل، جاءني المخاض فجأة، الألم كان يقطع أنفاسي، وفي الخارج كانت الطائرات المسيّرة (الكواد كابتر) تحوم فوق الخيام وتصدر أصواتًا مخيفة، وكأنها تراقبنا حتى في لحظة ولادتي".

تأخذ نفسًا عميقًا وتكمل: "أهلي وزوجي حاولوا جاهدين أن يتواصلوا مع الإسعاف والدفاع المدني، لكن الاتصالات كانت مقطوعة أحيانًا، وأحيانًا لا أحد يرد، كل دقيقة تمر كانت كعمر كامل، وأنا أصرخ من الألم، شعرت أنني محاصرة بين الخوف من الموت تحت القصف والخوف من فقدان طفلتي قبل أن أراها".

وتسرد غدير اللحظة الأصعب: "نزفت كثيرًا حتى أنني تخيّلت أنني لن أنهض، كنت أرى عيني زوجي المليئة بالذعر، هو الذي كان يحلم أن يحمل طفلته الأولى بين يديه، لم يعرف كيف يساعدني، سوى أن يمسح على رأسي ويكرر: "اصبري يا غدير، رح تفرج"، بعد ساعات من العذاب، وُلدت ابنتي، ضعيفة وصغيرة، لم تبكِ في البداية، قلبي توقف لحظة، ثم فجأة أطلقت صرخة ضعيفة جعلتني أبكي معها، شعرت أن الحياة عادت لي ولها في تلك اللحظة".

تمسح غدير دموعها وتقول: "لكن المعاناة لم تنتهِ، لم نجد أي مستلزمات لحديثي الولادة، لا حليب، لا حفاضات، ولا حتى ماء نظيف، أنا نفسي كنت جائعة ولا أملك طعامًا يقوّيني على الرضاعة، كل ليلة أنام مرعوبة أن أفقدها، وأحيانًا أبقى مستيقظة أراقب أنفاسها".

"أكثر ما هزّني زوجات الشهداء"..

في قلب الحرب والنزوح، وجدت سميحة أبو هاشم، طبيبة النساء والولادة، نفسها أمام واحدة من أقسى التجارب الإنسانية في مسيرتها المهنية، تجارب الولادة التي خاضتها نساء غزة تحت القصف وداخل الخيام تركت في نفسها ندوبًا لا تمحى، لكن أكثر ما هزّها – كما تقول – هو مشهد زوجات الشهداء اللواتي يكتشفن حملهن بعد فقدان أزواجهن.

"أصعب اللحظات حين تأتي الزوجة وحدها إلى العيادة"، تبكي وتقول: "تمنيت لو كان زوجي معي في هذه اللحظة، هذه المشاهد تكررت كثيرًا، وتركت في داخلي جرحًا لا يندمل".

خلال النزوح، كان الضغط على النقاط الطبية هائلًا، إذ تحوّلت مراكز صغيرة مثل البركة التخصصي وطيبة في غزة إلى ملاذ لعشرات الحوامل يوميًا، وسط ظروف تنعدم فيها أبسط مقومات الرعاية.

وتشير الطبيبة إلى أن حالات الحمل بالتوائم كانت ملحوظة، لكن الولادات الطبيعية أصبحت أقل بكثير بسبب ضعف الإمكانيات.

وتصف "أبو هاشم" الوضع الصحي في غزة بأنه "كارثي بكل المقاييس"، موضحة أن انقطاع الكهرباء شلّ عمل الأجهزة الطبية، فيما كانت معظم الأدوية منتهية الصلاحية أو غير متوفرة، بما في ذلك الأدوية الأساسية كالهرمونات وحمض الفوليك الضروري للحوامل.

وتكشف الطبيبة أن سوء التغذية عمّق من مأساة النساء الحوامل، إذ كثيرات منهن يعشن في خيام بلا غذاء كافٍ أو رعاية، وبعضهن يفقدن أزواجهن في الحرب، وأخريات يواجهن خلافات أسرية تزيد من قسوة المشهد، ورغم ذلك، حاولت مع زملائها أن يقدّموا لهنّ ما استطاعوا من دعم نفسي ومعنوي.

وتختم "أبو هاشم" شهادتها بالقول: "قصص النساء في غزة خلال الحرب أكبر من أن تُحصى، لكنها ترسم صورة واضحة عن قوة المرأة الفلسطينية وصبرها، رغم الجراح والآلام".