من قلب البحر، حيث لا تغطية جوية ولا حماية دولية، تُبحر قافلة من الضمير الإنساني، متحدّية واحدة من أطول وأعنف حروب الحصار في العصر الحديث.
"أسطول الصمود العالمي" ليس مجرد رحلة بحرية، بل إعلان تمرّد إنساني على سياسة التجويع والإبادة، التي يُنفذها الاحتلال الإسرائيلي ضد أكثر من مليوني إنسان في فطاع غزة منذ ما يقارب العامين.
عشرات السفن، مئات النشطاء، وعشرات الدول، جميعهم قرروا كسر الصمت العالمي، والإبحار نحو القطاع المحاصر، رغم التهديدات الإسرائيلية ومحاولات المنع المتوقعة. إنها صرخة في وجه الجريمة، ورسالة أن غزة ليست وحدها.
ولفهم تحركات الأسطول عن قرب، وأهدافه، والتحديات التي تواجه المشاركين فيه، تحدثت "وكالة سند للأنباء" مع شخصيات منخرطة في المبادرة الدولية، سواء من داخل الأسطول أو من الجهات المنظمة له.
إذّ أكد الناشط الدولي نبيل شنوفي، عضو هيئة تسيير "أسطول الصمود المغاربي"، أن التحضيرات مستمرة لانطلاق الأسطول الدولي نحو غزة، رغم العقبات الجوية واللوجستية.
وقال شنوفي إنّ: "بعض السفن غادرت بالفعل ميناء برشلونة، لكن سوء الأحوال الجوية أجبرها على العودة. الإبحار سيُستأنف خلال الأيام المقبلة، وبعض السفن تتجه الآن نحو الموانئ التونسية".
وبيّن أن الموعد المقرر لانطلاق الأسطول من تونس هو الرابع من سبتمبر/ أيلول، مع احتمال تأجيله إلى الخامس، على أن تتزامن التحركات مع انطلاق سفن من موانئ إيطالية مثل كتانيا وسيرقوزة، إضافة إلى مغادرة سفن من جنوة باتجاه جنوب إيطاليا.
وأوضح شنوفي أن نحو 60 سفينة ستلتقي في نقطة تجمّع قبالة السواحل التونسية والإيطالية، قبل الانطلاق بشكل جماعي عبر المياه الدولية نحو قطاع غزة.
تنوع دولي ورسالة موحّدة
من جهته، أشار رشاد الباز، عضو "التحالف الدولي لكسر الحصار عن غزة"، إلى أن "أسطول الصمود العالمي" يُعد أكبر تحرك بحري تضامني تجاه غزة منذ سنوات.
وأفاد الباز أنّ "الأسطول يضم نحو 20 سفينة على متنها منظمات حقوقية ومتضامنين من 44 دولة، من بينهم شخصيات بارزة مثل الناشطة البيئية غريتا ثونبرغ، والممثل ليام كانينغهام، والنجمة سوزان ساراندون".
وأضاف أن المبادرة شهدت تضامنًا خليجيًا لافتًا، حيث من المقرر أن تنطلق سفينة خليجية بدعم من دولة قطر من تونس يوم الخميس القادم، للالتحاق بالأسطول في طريقه إلى غزة.
وأكد أن منظمات حقوقية دولية، بينها "أمنستي إنترناشونال"، حذرت من أن أي محاولة إسرائيلية لعرقلة الأسطول ستُعد خرقًا واضحًا للقانون الدولي.
واعتبر أن هذا التحرك السلمي يهدف قبل كل شيء إلى كسر الحصار البحري وإيصال مساعدات عاجلة في ظل تفاقم الأزمة الإنسانية في القطاع.
رسالة ضد الحرب والإبادة
الأسطول لا يكتفي بالمساعدات، بل يحمل رسالة سياسية وإنسانية عالية الوضوح، كما شدّد نبيل شنوفي: "هدفنا إرسال رسالة دعم لصمود الشعب الفلسطيني ومقاومة الحصار، رغم تهديدات الاحتلال، وآخرها تصريحات الوزير المتطرف إيتمار بن غفير التي لا تختلف عن الخطاب الفاشي والنازي.
ونبّه إلى أن حجم المشاركة ومكانة الشخصيات الداعمة يعكسان حجم التضامن العالمي، مضيفًا أن "أسطول الصمود هو تعبير عن يقظة الضمير الإنساني في وجه آلة القتل والدمار".
الناشطة الفلسطينية خالدية أبو بكر، مؤسسة حركة "نساء فلسطين - الكرامة"، وعضو مشارك في الأسطول، وصفت التحرك البحري بأنه: "صرخة عالمية في وجه الإبادة والتجويع التي يتعرض لها شعبنا في غزة".
وفي حديثها مع مراسلنا أشارت إلى أن الأسطول ترك أثرًا عميقًا في نفوس شرائح أوروبية ودولية، قائلة: بدأت تتولد لديهم أفكار حقيقية تجاه ما يجري على الأرض من مجازر مروعة يرتكبها الاحتلال".
وأكدت أن المشاركة الواسعة في الأسطول تُظهر عزلة الاحتلال على المستوى الشعبي العالمي، رغم سطوة الترهيب والدعاية الكاذبة، مضيفة: "نحن شعب واحد، وقضيتنا واحدة، وحقوقنا لا تتجزأ، وسنواصل نضالنا مهما تكاثرت التحديات".
وشددت على ضرورة أن يتحمل الفلسطينيون في الشتات مسؤولياتهم الوطنية تجاه غزة والضفة وكل فلسطين، مشيرة إلى أن "فلسطين أرض واحدة من النهر إلى البحر، ولا يمكن تفتيت قضيتنا".
تحديات في الأفق
رغم النوايا السلمية والشرعية القانونية للمبادرة، تلوّح إسرائيل مجددًا بإمكانية اعتراض الأسطول، في تكرار لسيناريوهات سابقة مثل حادثة سفينة "مرمرة" عام 2010.
وحول هذا، قال رشاد الباز: "صحيح أن إسرائيل منعت سابقًا محاولات مماثلة، لكن الإرادة الدولية اليوم أقوى وأوسع. الأسطول ليس عملًا سياسيًا عابرًا، بل رسالة إنسانية للعالم بأن غزة ليست وحدها".
وأشار إلى أن الأسطول يتوقع أن يصل شواطئ غزة في منتصف سبتمبر القادم، مع احتمالية انضمام سفن إضافية خلال الأيام المقبلة.
ختامًا يُجمع ضيوفنا أنّ أسطول الصمود العالمي ليس فقط محاولة لكسر الحصار البحري، بل هو اختبار حقيقي لضمير العالم، ورسالة تقول بوضوح: "لن تبحر الجرائم بلا شهود، ولن تبقى غزة وحدها في مواجهة الموت والجوع والخراب".
