وسط التصعيد الإسرائيلي ضد الفلسطينيين في مختلف أماكن تواجدهم، تتضاعف عمليات هدم المنازل والمنشآت أو وقف بنائها، تحت ذريعة عدم الترخيص، أو البناء في مناطق مصنفة ج، فيما يبقى الهدف الأساسي هو تهجير الفلسطينيين من أماكن سكناهم، تمهيدًا للاستيطان فيها.
وتنشط في هذا السياق، منظمة "ريغافيم" الاستيطانية، التي تأسست لمسعى واحد وهو رصد ومراقبة أنشطة البناء والسكن الفلسطيني.
وأصدرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي 800 إخطار بالهدم أو وقف البناء أو وضع اليد على مناطق أثرية أو مصادرة أراضي، في الضفة الغربية، منذ بداية العام الجاري 2025.
وبشكل يومي، يقتحم عناصر المنظمة، المناطق المصنفة "ج"، وهم في غالبيتهم من المستوطنين وفتيان التلال، ويقتصر دورهم على تصوير الأبنية السكنية ومراقبة أي أعمال بناء جديدة.
أيام قليلة فقط تفصل ما بين جولة أفراد هذه المنظمة، ورصدهم لأي أعمال بناء جديدة، ووصول إخطارات بالهدم أو وقف البناء، والتي زاد نشاطها مؤخراً عبر موظفين منتشرين في البؤر الاستيطانية في أرجاء الضفة الغربية.
منظمة ذات نفوذ وسلطة
ووفقاً لتقرير مركز مدار للدراسات الإسرائيلية، فإن منظمة "ريغافيم" الاستيطانية نمت من (منظمة غير حكومية) صغيرة تعمل على منع البناء الفلسطيني "غير القانوني" في الأراضي المصنفة "ج"، إلى صاحبة سلطات ونفوذ في الضفة الغربية.
ويشير إلى أن صلاحيات "المنسق" تنهار تدريجياً لتغدو مركزة أكثر فيما يخص إدارة شؤون السكان الفلسطينيين، فإن "ريغافيم" تتحول تدريجياً إلى "المنسق" البديل الذي يدير مستقبل الأراضي "ج"، ومنذ بداية العام 2023، يمكن النظر إلى "ريغافيم" على أنها "الإدارة العليا" للمشروع الاستيطاني.
وحسب التقرير فلمنظمة "ريغافيم" مجلس إدارة يتكون من 8 أشخاص، يعتبرون من قادة المشروع الاستيطاني وبعضهم من تزعم حملات "التمرد على الجيش" أثناء مشروع إخلاء المستوطنات من قطاع غزة، بالإضافة، تشغل 33 موظفاً بوظيفة عمل دائمة، وميزانية تصل إلى حوالى 6 ملايين شيكل سنوياً.
ويوضح مدير دائرة القانون الدولي في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، حسن بريجية، أن مؤسسة "ريغافيم" مؤسسة إسرائيلية مرخصة من الداخلية الإسرائيلية، وتخصصها يتعلق بمراقبة الانتشار الفلسطيني في مناطق "ج" والتصدي له من خلال المحاكم، و الهدم ووقف البناء في مراحله الأولى.
ويشير بريجية في حديث لـ وكالة سند للأنباء، إلى أن مؤسس هذه المنظمة وزير المالية الإسرائيلي بتسليئيل سموتريتش، وكان يحظى بدعم من نتنياهو والحكومات السابقة والجيش والجهاز القضائي والمجلس الأعلى للمستوطنات.
وبعد قدومه وزيراً، يضيف بريجية، جلب مستشاريه القانونيين، وجعل لهم قسما خاصًّا بوزارة الجيش لتكثيف عمليات الهدم، وخرج ليتفاخر بالأرقام القياسية للهدم، أنها تجاوزت أعمال البناء بالضفة.
تكامل أدوار
ويلفت إلى تكامل الأدوار ما بين الحكومة والمنظمات الاستيطانية، في سبيل تحقيق أوسع توسع استيطاني و"تنظيف" الأرض والسيطرة عليها.
وتركز منظمة "ريغافيم" في رصدها الاستيطاني، على البناء السكاني للمدارس والمؤسسات وتنشر تقارير دورية عن المباني في مناطق "ج" وتحرض على هدمها.
كما وتضم المنظمة عدة دوائر بينها دائرة تشرف على موظفين ميدانيين يجوبون الضفة الغربية، ودائرة الإعلام والتواصل التي تهتم في جعل معلومات وأبحاثها في متناول الجمهور الإسرائيلي، دائرة قانونية وأبحاث وعلاقات دولية.
وقبل أيام أخطرت سلطات الاحتلال بهدم مدرسة قرية الزويدين الثانوية شرق يطا، بالرغم من بنائها داخل المخطط الهيكلي والتنظيمي للقرية، وذلك بعد أسابيع من تحريض المؤسسة ونشر صور لأعمال البناء في المدرسة.
ويوضح الناشط في مقاومة الاستيطان في مسافر يطا، أسامة مخامرة، أن الإخطار جاء بعد تحريض واسع من المؤسسة بدعوى أن المدرسة بنيت على أراضي محمية طبيعية، وقامت المؤسسة بوضع أوراق تناشد من خلالها وزارة البيئة الإسرائيلية والإدارة المدنية وحكومة الاحتلال، بضرورة هدم المدرسة، وهوما تم قبل وقت قصير من تسلم إخطار الهدم.
ولفت مخامرة في حديث لـ وكالة سند للأنباء، إلى أن موظفي هذه المؤسسة قاموا قبل أيام بتصوير مدرسة الديرات الحاصلة على ترخيص للبناء، وتم التحريض على هدمها، وهو ما جرى كذلك مدرسة إصفي التي تم هدمها قبل شهور.
وبين أن المؤسسة تنشط في مسافر يطا، وتتابع أي تغيير أو بناء في المنازل المخطرة بوقف البناء أو الهدم، وتوثيق أي تواجد في محيط المنزل والعمل به وتصوير كل مراحل البناء.
ويلفت إلى دور هذه المنظمة برصد تحركات المواطنين على البوابات المغلقة، وتوثيق الفتحات التي يقيمها الشبان بجانب هذه البوابات، ويطلبون من الجيش القدوم لإغلاقها، وسبق أن نشروا فيديوهات لمداخل قرى وبلدات مغلقة وطرق التفافية للداخل.
ويشير مخامرة إلى أن أفراد هذه المؤسسة ينظمون جولات مستمرة في مسافر يطا والمناطق المجاورة عبر مركبات خاصة، تسبق قدوم مركبات "الإدارة المدنية"، ويصعب تفريقهم عن اقتحامات المستوطنين كون أن موظفيها ومراقبيها من المستوطنين أنفسهم.
وتنشط كذلك مؤسسة "ريغافيم" منذ سنوات في النقب المحتل، لمنع أعمال البناء والترميم، والتي كانت وراء هدم مئات المنازل والمنشآت في قرى وتجمعات في النقب.
دور المنظمة في النقب
ويوضح رئيس المجلس الإقليمي للقرى غير المعترف بها في النقب المحتل، عطية الأعسم، أن هذه الجمعية العنصرية تلاحق العرب في النقب، بهدف تهجير سكان القرى غير المعترف بها.
ويشير الأعسم لـ وكالة سند للأنباء أن هذه المؤسسة تحاول أن تجعل من نفسها حامية للقانون، وتطالب الدولة بفرض القانون، في مفارقة كبيرة يحاول فيها سارق الأرض أن يمثل دور المحامي عنها.
ووفقاً لمعطيات حقوقية في النقب فان أكثر من 27 ألف مبنى تم هدمها ما بين الأعوام 2013 حتى 2024 في مختلف قرى النقب، بينها 4911 مبنى تم هدمها العام الماضي، بينما هُدم 3283 مبنى خلال عام 2023 في تصعيد واضح ما بعد الحرب على قطاع غزة.
وتواجه اليوم 9 قرى كاملة يسكنها 6500 مواطن خطر التهجير، وذلك بعد إخطار أهلها بإخلائها تمهيدا لإزالتها.
وتتلقى المنظمة الاستيطانية أموالها من منظمات صهيونية عالمية، ممن يؤمنون بأرض "إسرائيل الكبرى"، وأن هذه الأرض يجب أن يسكنها اليهود فقط ولا يسكنها غيرهم، وفق الأعسم.
ويلفت الأعسم إلى أن نشاط هذه المنظمة يتركز على تجريد العرب من أراضيهم في منطقة النقب، عبر ملاحقة كل شيء موجود في منطقة النقب، حتى رعي الأغنام أو المناطق الزراعية أو السكنية.
وبين أن أفراد هذه المنظمة يزودون الدوائر المختصة بالمعلومات والتصوير، ولهم تأثير مباشر على اتخاذ القرارات في الحكومة، التي تنفذ ما يريدون، من عمليات هدم وتجريف ومنع بناء.
