في خضمّ موجة البناء الاستيطاني المسعورة بالضفة الغربية، وتصاعد اعتداءات المستوطنين، يبرز اسم رئيس مجلس مستوطنات شمال الضفة، يوسي داغان، الذي بات يطمح لتصدر موقع سياسي خلال المرحلة المقبلة، في الساحة الإسرائيلية.
داغان، المصنف حاليا كناشط سياسي والمحصن بشبكة علاقات مفتوحة ذات تأثير وفاعلية، نشأ في حي "بني براك" ذي الغالبية الحريدية، ثم انتقل للعيش في مستوطنة "شافي شمرون" المقامة على أراضي بلدة دير شرف والقرى المجاورة شمال نابلس، والقريبة من مستوطنة "قدوميم"، التي يستوطن فيها وزير المالية الإسرائيلي سموتريتش، ليتقاسما مخططات السيطرة والاستيطان والتهجير.
وتنظر وسائل إعلام فلسطينية وإسرائيلية، للمستوطن داغان، بأنه أحد أبرز الداعين لإعادة الاستيطان في "قبر يوسف" شرق نابلس، وتنظيمه زيارات مكثفة للمكان.
مليون مستوطن في الضفة
وقدم داغان خطة للحكومة الإسرائيلية، تهدف لرفع عدد المستوطنين بشمال الضفة إلى مليون، مع حلول العام 2050، عبر إقامة محطة حافلات مركزية لمستوطنات الضفة، وخط سكة حديد ومستشفى ومطار، ومشاريع استيطان جديدة بلغت 45 ألف وحدة.
ومؤخرًا؛ طار طموح داغان السياسي بغلاف استيطاني للدعوة لعودة الاستيطان في قلب قطاع غزة ومستوطنة "غوش قطيف" المخلاة، عدا عن نشاطه في أرجاء المستوطنات وبؤرها بشكل يومي.
الكاتب الفلسطيني عمر السلخي، نشر رؤية مختصرة لشخصية داغان وطموحاته، في أعقاب نصب الأخير خيمة في بلدة بروقين غرب سلفيت.
وكتب السلخي: "في خيمة يوسي يُرسم مستقبل الضفة بالجرافات.. تحولت الخيمة إلى مركز قرار فعلي يبتّ فيه بمصير آلاف الدونمات الفلسطينية، وتُرسم فيه خطوط جديدة على خارطة التهويد الزاحف في الضفة".
"صائد الفرص" داغان المدعوم من أعلى المستويات، لا يتحرك كموظف في مجلس المستوطنات كما يوصف في وسائل الإعلام، بل كمهندس ميداني لمشروع تهويد شامل، يستخدم نفوذه الواسع وعلاقاته السياسية المتينة لتفكيك الوجود الفلسطيني، وتحويل حياة الفلسطينيين إلى جحيم، مقابل خلق بيئة جاذبة للمستوطنين.
تصدير منتجات المستوطنات
ويفصل مدير عام هيئة الجدار ومواجهة الاستيطان عبد الله أبو رحمة، شخصية داغان وجهوده، مبينا أن أبرز مشاريعه التي غيّرت جغرافيا المنطقة وواقعها، شوارع حوارة والفندق الالتفافيين، ومجمع الحافلات شرق مستوطنة أرئيل، والاستيلاء على المحميات الطبيعية وتحويلها لمناطق سياحية للمستوطنين، وربط المستوطنات بشبكة الإنترنت الأسرع في العالم واتفاقية إنشاء قطار عجلات وتشجيع ودعم المستوطنات الرعوية لطرد الرعاة الفلسطينيين من جبال شمال الضفة.
ويضيف أبو رحمة لـوكالة سند للأنباء: داغان وقع ونفذ عقودًا تجارية لبيع وتصدير منتجات مستوطنات شمال الضفة مع دولة عربية خليجية من مستوطنات ايتمار وبراخا ورحاليم وحرميش وهار براخا وغيرها وتضمنت تصدير زيت الزيتون ونبيذ العنب.
ويرى أبو رحمة ان داغان الليكودي يسير بمنافسة واضحة مع اليمين المتطرف ورموزه سموتريتش وبن غفير، بكاريزما قيادية لافتة على وقع تحقيقه إنجازات، وكان آخرها جمع التبرعات بملايين الشواقل لشراء بنادق قنص محدثة للمستوطنين بالضفة، وهي التي تشكل الخطر الداهم على الفلسطيني في شرفة بيته ومزرعته .
وكانت مواقع إسرائيلية بثت مقطعًا مصورًا لداغان متأثراً ويطلق العنان لدموعه محتضناً سموتريتش في قلب منطقة ترسلا الفلسطينية التي تسمى مستوطنة "تصانور" ويجدد العهد على العودة للمكان وتحويله لموقع يهودي للأبد.
إلغاء الكيان الفلسطيني
الباحث في شؤون الاستيطان فراس حنني، يبين بأن داغان من أبرز الداعمين لإلغاء الكينونة الفلسطينية وهويتها التاريخية والحاضرة، ويتخذ مواقف متشددة ضد تفكيك مستوطنات 2005، وله رؤية بتحويل بعض المستوطنات لمدن، معتمداً على الاستيطان الديني، حيث إن 90% من المستوطنات تحمل اسماً دينياً صريحاً.
ويقول حنني لـوكالة سند للأنباء: عند متابعتنا للسيرة الذاتية للقيادات الإسرائيلية التاريخية والحالية في الكيان، نجد أنهم يميلون ويقفون خلف التمدد الاستيطاني والتهجير القسري الفلسطيني، وداغان على ذات الطريق والرؤية ما يمنحه الامكانية للمنافسة السياسية في المرحلة المقبلة.
وفي زيارة وصفها الاعلام الإسرائيلي، نهاية الأسبوع الماضي، بالتاريخية وغير المسبوقة لـ 250 عضوًا من مجلس النواب الأمريكي إلى مستوطنة ليشيم "شرفة الدولة" قرب دير بلوط شارك فيها داغان، وقال للأمريكيين: "السيادة في يهودا والسامرة عدلٌ وضمانٌ لوجود إسرائيل".
شبكة علاقات واسعة
ويرى المختص في شؤون الصراع محمد دراغمة أن هناك ميزات لداغان؛ منها شبكة علاقاته المتشعبة في الغرب والولايات المتحدة، وبعض الجغرافيا العربية، وحضور بين النخب والنشطاء الإسرائيليين استغله في أعقاب الحرب على غزة، لتعميق رؤيته الاستيطانية على الأرض ،جنباً الى جنب مع دعم حكومي متجذر.
ويتابع دراغمة لــوكالة سند للأنباء: زاد حضور داغان ورؤيته في مجتمع إسرائيلي بوصلته المتنامية نحو اليمينية المتطرفة، وباتت تمثل التيار المركزي للمجتمع الإسرائيلي.
ويعتقد دراغمة أن داغان يعد واحداً من رموز التطرف الاستيطاني، الذين تخلق لهم الأجواء العامة الدافعية للانطلاق السياسي، نحو تحقيق طموحه.
ويخدم التيار العام الإسرائيلي الحالي توجهات داغان، وفق دراغمة، بينما لا يتوقف عن تنفيذ رؤاه بإقامة وتجذير دولة المستوطنين وتحويل المستوطنات لدولة رسمية يصعب تفكيكها .
ويتوقع دراغمة أن يكون لداغان دور سياسي نشط، في المرحلة القادمة بحكم التأثير القوي للمستوطنين في صناديق الاقتراع والجيش تجعل من مستقبله السياسي مؤكدًا.
وقال داغان في العاشر من آب الماضي، في لقاء مع قادة المسيحيين الإنجيليين في العالم، إنّ الإسرائيليين ينتظرون بفارغ الصبر اليوم الذي يتم فيه الإعلان عن فرض السيادة الإسرائيلية على "يهودا والسامرة" (الضفة الغربية) وغور الأردن، زاعمًا أن ذلك يحقق نبوءة النبي إلياهو بعودة اليهود إلى ديارهم.
