في تقرير موسع نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، تتبدى صورة قاتمة لواقع غزة بعد مرور ما يقرب من عامين على اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية ضد القطاع، إذ تحولت المجازر والقصف والتدمير والتهجير إلى مشهد يومي يعكس انهيارًا كاملًا في مقومات الحياة.
وأكدت الصحيفة أن الجيش الإسرائيلي دمّر أحياء كاملة في مدينة غزة خلال عملياته البرية، مستخدمًا تكتيك “الهدم الشامل” للحي تلو الآخر.
فبينما كانت العمليات السابقة لجيش الاحتلال تقوم على الاقتحام ثم الانسحاب، فإن هذه المرة مختلفة: إذ تواصل القوات تدمير مناطق واسعة وتثبيت وجودها الميداني.
تدمير ممنهج للأحياء السكنية
أشارت صور الأقمار الصناعية إلى دمار هائل طال حي الزيتون ومناطق قريبة من الشيخ رضوان، إضافة إلى أحياء أخرى في شرق المدينة.
وذكرت الصحيفة أن المقارنة مع العمليات العسكرية السابقة تؤكد خطورة الوضع الراهن؛ إذ لم يُشهد من قبل هذا الحجم من الهدم المنظم الذي يُحوّل الكتل السكنية إلى أطلال، ويحرم عشرات الآلاف من الفلسطينيين من المأوى ويقطع جذورهم عن أحيائهم.
ولفتت إلى تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مقابلة مع القناة 14 بأن الجيش هذه المرة سيحتفظ بالمناطق التي يستولي عليها ولن ينسحب، لكنه يواجه حتى داخل (إسرائيل) شكوكًا متزايدة حول واقعية هذه الاستراتيجية، خاصة مع صمود المقاومة طوال نحو عامين من القتال العنيف والحصار المطبق.
نزوح جماعي وجوع مستفحل
أدت العمليات البرية لجيش الاحتلال إلى موجة نزوح جديدة؛ مئات الآلاف فروا من بيوتهم في مدينة غزة نحو وسط وجنوب القطاع.
وفي مخيمات الخيام المكتظة، يعيش السكان على الحد الأدنى من مقومات الحياة، بينما يتفشى الجوع والمرض.
وأبرزت الصحيفة أن السكان المنهكين من الحرب كثيرًا ما يرفضون النزوح مجددًا، إما لعجزهم الجسدي والمادي أو لعدم وجود مكان يلجؤون إليه بعد أن دُمّرت منازلهم بالكامل. هذا الرفض يعكس استسلامًا قسريًا للواقع القاسي، إذ يجد الناس أنفسهم بين خيارين: البقاء وسط الموت أو النزوح إلى العراء.
ومنذ صيف هذا العام، أقرت الحكومة الإسرائيلية خطة واضحة للسيطرة على مدينة غزة. وبحلول أغسطس، كان الجيش قد دمّر أجزاء كبيرة من شرق المدينة، وحوّل مناطق زراعية وسكنية إلى أرض قاحلة.
ومع إعلان الغزو البري الأخير، واصل الجيش اجتياحاته إلى الشمال، مستخدمًا المباني القائمة كقواعد عسكرية مؤقتة ثم تفجيرها قبل التقدم إلى مواقع أخرى.
مشهد تدمير مدرسة الفرقان مثال صارخ على هذه السياسة؛ فقد استُخدمت المدرسة كموقع عسكري إسرائيلي مؤقت، ثم فجّرها الجيش لاحقًا، تاركًا وراءه حطامًا يرمز إلى محو البنية المدنية.
الغارات الجوية المستمرة
لم تقتصر الحرب على العمليات البرية والهدم، بل رافقها قصف جوي مكثف. منذ منتصف سبتمبر، استهدفت إسرائيل مئات المواقع في غزة، مضيفة طبقة جديدة من الدمار فوق ما خلّفته العمليات البرية.
وكشفت صور الأقمار الصناعية انتشار مئات الخيام قرب المركبات العسكرية الإسرائيلية، ما يعكس حجم الكارثة الإنسانية المتفاقمة.
في شهادته للصحيفة، قال مصطفى صيام (44 عامًا) إنه اضطر للفرار مع زوجته وأطفاله الثلاثة من مخيم الشاطئ شمال غزة بعد أن اقتربت القوات الإسرائيلية.
وذكر صيام أنهم ساروا لساعات حتى وصلوا وسط القطاع. “منزلي كان قائمًا قبل الهجوم، لكن قد لا أراه مرة أخرى عند عودتي”، مضيفًا: “يبدو أن هدف الحرب الوحيد هو تدمير أكبر قدر ممكن من أسس غزة”.
رغم الأدلة على الدمار واسع النطاق، ينفي المسؤولون الإسرائيليون وجود سياسة رسمية لتدمير الأحياء المدنية بالكامل، مدّعين أنهم يستهدفون مواقع للمقاومة أو أنفاق تحت الأرض.
غير أن تصريحات وزراء في الحكومة تفضح حقيقة النوايا؛ فقد هدد وزير الجيش يسرائيل كاتس بأن غزة ستصبح مثل رفح وبيت حانون، أي مدنًا من الأنقاض. الوزير إيلي كوهين كرر التهديد ذاته علنًا، مؤكداً أن غزة يجب أن تُسوّى بالأرض.
كارثة إنسانية شاملة
النتيجة النهائية لهذا النهج العسكري هي كارثة إنسانية متصاعدة: جوع حاد، انهيار الخدمات الصحية والتعليمية، نزوح داخلي يفاقم المعاناة، وتفريغ تدريجي لمدينة غزة من سكانها.
ولخصت نيويورك تايمز المشهد بعبارة مأساوية: القتل الجماعي والجوع والنزوح القسري أصبحوا مشهدًا يوميًا في غزة وتكشف الحقائق الميدانية عن سياسة منظمة لتدمير المدينة وإرغام سكانها على الرحيل أو الاستسلام للجوع والموت.
في ظل هذا الواقع، يبقى السؤال الملح: هل سيبقى العالم متفرجًا على تحويل غزة إلى مدينة أشباح، أم أن حجم المأساة سيدفع المجتمع الدولي في النهاية إلى اتخاذ إجراءات حقيقية لوقف نزيف الدم والدمار؟.
