تشهد مدينة دير البلح واحدة من أصعب مراحلها الإنسانية في ظل تزايد أعداد النازحين، ما جعل المتكدسين في المدينة عالقين في دوامة من الانتظار، ليس على أبواب الخيام فقط، بل على أرصفة الطرق بحثاً عن وسيلة نقل إلى مكان العمل أو السكن.
ويعكس المشهد في دير البلح أحد أوضح صور المأساة الفلسطينية، فالمدينة الصغيرة بمساحة 56 كيلو متراً باتت محاصرة بالوجع، وتكافح بما تبقى من إمكانات وخدمات محدودة كي تكون ملاذاً للناجين.
وفي ظل انهيار شبه كامل لشبكة الطرق، وتضرر الطرق المعبدة من القصف والتجريف، واكتظاظ النازحين في بقعة صغيرة برزت أزمة المواصلات اليومية الناتجة عن قلة أعداد السيارات الخاصة، أو عربات "الجار ومجرور"، وانشغال العدد القليل المتوفر منها بإجلاء النازحين إلى وسط القطاع وجنوبه.
وتظهر هذه الأزمة بوضوح أكبر في المناطق التي تشهد وصولاً كثيفاً للنازحين، مثل منطقة "البلد" حيث بات مشهد الاكتظاظ مألوفاً، والطرقات مليئة بالناس والأمتعة، والأطفال الذين لا يعرفون إلى أين تسير خطاهم.
وأصبح التنقل على الأقدام لمسافات طويلة تحت أشعة الشمس هو الخيار الوحيد للمواطنين، ما يؤدي إلى تزايد حالات الإرهاق، وتدهور الوضع الصحي لهم.
استنزاف للوقت والجهد..
السيدة "أم صلاح" محمود، تروي لمراسلة "وكالة سند للأنباء"، ثقل أزمة المواصلات التي تستنزف وقتها وصحتها ليتسنى لها ممارسة عملها اليومي.
تقول ضيفتنا إنها تضطر للخروج باكراً قبل موعد عملها بساعة أو يزيد من مكان نزوحها في بلدة الزوايدة، حتى تصل إلى مكان عملها في دير البلح في الوقت المحدد.
وتشير أم صلاح إلى أن المواصلات شبه معقدة، كَون السيارات والعربات تأتي محمًّلة بالركاب من النصيرات، دون إعطاء فرصة لركاب المناطق الأخرى، مرجعة ذلك إلى اختلاف سعر المواصلة.
أما في طريق العودة فتضطر إلى السير تحت أشعة الشمس على الأقدام في منتصف الظهيرة، لعدم تمكنها من الركوب، ما يصيبها يومياً بـ"ضربة شمس" في وقت تفتقر فيه العيادات والصيدليات إلى المسكنات والأدوية.
بدوره يقول الشاب كريم عياد وهو بائعٌ وأحد المقيمين في منطقة الزوايدة، إنه يواجه صعوبةً يومية في نقل بضاعته من السوق إلى مكان عمله، في ظل الاكتظاظ الذي وصفه بـ"المهول"، ما يضطره أحياناً إلى حملها والسير بها على الأقدام.
وتطرف في حديثه لمراسلتنا عن أزمة أخرى وهي غياب "الفكة" التي أججت أزمة التنقل، موضحاً:" إذا ما كان معنا فلوس حديد لا نركب، هذا إذا وصلنا الدور في ركوب الجار والمجرور".
فرصة لتفشي الأمراض..
وعلى صعيد آخر، تُعبر الستينية هدى عبد الرحمن عن استيائها من اكتظاظ المواطنين في الأسواق، ما يزيد من كارثة تفشي الأمراض ويضاعف معاناة السير التي كانت تأخذ دقيقة واحدة لتصبح 15 دقيقة لاجتياز جانبي الطريق.
وتقول لـ"وكالة سند للأنباء":" تعرضت للإغماء أكثر من مرة بسبب الازدحام"، علماً أنها مصابة بداء السكري المزمن، ما يجعلها عرضةً للتعب الشديد والمضاعفات الخطيرة.
من جانبه، يذكر رئيس بلدية دير البلح نزار عياش في تصريح سابق لـ"وكالة سند للأنباء" أن الخدمات تركز على 120 ألف نسمة في دير البلح؛ لكن عمليات النزوح المتكررة؛ فاقمت الخدمات لتقدم لأكثر من 500 ألفاً؛ ما تشكل عبئا كبيرا على البنية غير المؤهلة للتعامل مع هذا العدد الكبير من النازحين.
ويُبين أن هذا الواقع يضيف أزمة جديدة من المعاناة النفسية، فالمشوار الذي يُفترض أن يستغرق بضع دقائق بالسيارة، يتحول إلى رحلة محفوفة بالخوف والإرهاق، ما يفاقم تعقيد المشهد الإنساني الذي يتسم بانعدام مقومات الحياة الأساسية.
