عامان مرَّا على قطاع غزة وما زالت نيران الإبادة الإسرائيلية مستعرة، تأكل ما تجد أمامها من أخضرٍ ويابس، ولَمّا ينفضُ أهالي قطاع غزة غُبار الحرب بَعد، فيما لا يزال لهيبها يلتهم شهود الحقيقة واحداً تلو الآخر، الذين ما فتئوا يواصلون التغطية حتى الرمق الأخير.
وتُلاحق سلطات الاحتلال الإسرائيلي الصحفيين الفلسطينيين من كل حدب وصوب، واضعةً كل واحد منهم على مَحك الاختيار بين نقل الحقيقة أو الموت، وتحت أزيز الرصاص والموت يقف الصحفي في قطاع غزة يجابه الحرب بالصوت والصورة والقلم.
فخلال عامي الحرب اغتال جيش الاحتلال الإسرائيلي 254 صحفياً لم يتوانوا عن أداء مهنتهم وممارسة عملهم، فيما أصيب 433 صحفياً آخرون، بينما أُطبِقت زنازين الموت في سجون الاحتلال على 48 صحفياً من قطاع غزة، وفقاً لبيانات المكتب الإعلامي الحكومي الصادرة عشية الذكرى الثانية للسابع من أكتوبر.
وكان شهر أغسطس/ آب، أكثر الأشهر دموية بحق الصحفيين، والذي ارتقى خلاله 15 صحفياً جراء استهدافات مباشرة، بمعدل صحفي كل يومين، "وفقاً للمكتب الإعلامي الحكومي".
ومع مرور عامين على العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، لا يزال الصحفيون الفلسطينيون يعيشون في بيئة محفوفة بالمخاطر، يدفعون فيها ثمن الحقيقة، ويقفون في الصفوف الأمامية لنقل ما يجري رغم التهديدات المستمرة لحياتهم وحرياتهم
وفي هذا التقرير تستذكر "وكالة سند للأنباء"بعد عامين من الحرب شهود الحقيقة وجنود الميدان الذين ارتقوا شهداء، بدءًا بإبراهيم لافي وسعيد الطويل، وليس انتهاءً بإيناس رمضان أمام احتلال لا يؤمن مكره ويُخشى غدره.
أقمار لامعة..
وتُسلط "وكالة سند للأنباء" الضوء على -قليل- من الإجرام الإسرائيلي الممتد في استهداف شهود الحقيقة الذين ارتقوا – وكلهم أصحاب فضل-.
ولا ينسى أيٌّ منا ذلك المشهد، الثامن من أبريل/ نيسان عندما استهدفت طائرات الاحتلال الإسرائيلي خيمة الصحفيين محيط مجمع ناصر الطبي في مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة بشكل مباشر، أصيب بها عدد من الزملاء، بينما ارتقى المصور أحمد منصور وهو يُحرق حياً أمام مرأى العالم.
ماذا عن الصحفي حسن اصليح؟ أيقونة غزة ومصدر أخبارها، الذي باغتته طائرات الاحتلال وهو عاجزٌ يرقد في سرير مستشفى ناصر يتعالج من إصابة إسرائيلية سابقة، في مشهد يعكس قذارة العالم وانتهاك للقوانين والأعراف الدولية.
أنس الشريف مراسل قناة الجزيرة، وجه غزة وعلمها صديق العالم أجمع، الذي لطالما انتظر أهالي القطاع بيان إعلان التهدئة من فيهِ، ارتقى رفقة زملائه الخمسة في قصف ممنهج مباشر لخيمة قناة الجزيرة الفضائية محيط مجمع الشفاء الطبي في 10 أغسطس/ آب الماضي.
أما المصور يحيى برزق فقد كان يوثق بعدسته الذهبية براءة الأطفال الرضع، ليصنع صورة تُنقش في الذاكرة وفرحة تُرسم على وجوه الآباء، اغتالته طائرات الاحتلال الغاش نهاية سبتمبر/ أيلول المنصرم.
الشاهد والراوي..
ويصف الزميل الصحفي إسلام بدر مراسل التلفزيون العربي عامي الحرب، بـ"السنوات المليئة بكل الكوابيس التي يمكن ولا يمكن تخيلها، من كوارث ومآسي بدءاً من الموت وسفك الدماء مروراً بالنزوح وتدمير المنازل والمجاعة وغيرها من المعاناة الجسدية والنفسي في ظل استمرار الإبادة الممنهجة".
ويقول لمراسلة "وكالة سند للأنباء"، إن واقع الصحفيين مشتق من واقع الغزيين جميعاً، يجوع إذا جاعوا وينزح إذا نزحوا، لافتاً النظر إلى نجاته كذلك من عدة استهدافات قد طالت طواقم العمل من الصحفيين أثناء تغطية إجرام الاحتلال.
ويؤكد "بدر" أن الصحفي في قطاع غزة لا يمتلك أي حصانة أو استثناء، "بل على العكس إنه مستهدف بشكل أكثر تخصيصاً".
وبحسب "بدر" فإن الاستهدافات الإسرائيلية بحق الصحفيين إما معنوية من خلال عمليات التحريض والتشهير التي يمارسها ضدهم جيش الاحتلال، أو مادية من خلال الاستهداف بدليل مئات الشهداء من الصحفيين.
ويختم زميلنا حديثه:" الصحفيون عين الحقيقة هم مرآة تعكس معاناة الناس وكانوا قادرين على مواجهة ادعاءات وأكاذيب الاحتلال بإخلاصهم لمهنتهم وشعبهم ومهنيتهم كرواة وشهود على الإبادة".
واقع الصحفيين في قطاع غزة..
وخلال العدوان، كان الصحفيون هدفًا مباشرًا، سواء بالقصف أو بتدمير المقرات الإعلامية، في محاولة لطمس الرواية الفلسطينية وتقييد حرية التعبير.
وبهذا الصدد يقول مدير منتدى الإعلاميين الفلسطينيين محمد ياسين، إن صحفيي قطاع غزة فقدوا زملاءهم، معداتهم، وأماكن عملهم، لكنهم واصلوا أداء رسالتهم رغم كل شيء.
ويرصد "ياسين" في مقابلة خاصة لـ"وكالة سند للأنباء"واقع الصحفيين في قطاع غزة، والذي يتلخص اليوم في عدة تحديات رئيسية.
ويُبرز ضيفنا عدداً من الانتهاكات والصعوبات التي تواجه الصحفيين الفلسطينيين خاصة صحفيي قطاع غزة العاملين تحت نيران الإبادة منذ عامين.
ويتمثل ذلك بانعدام الأمان المهني، ويؤكد "ياسين" أن "لا ضمانات للحماية، والتهديدات الإسرائيلية لا تزال قائمة، سواء في فترات الحرب أو الهدوء الهش".
بالإضافة إلى القيود اللوجستية والتقنية، حيث يعيق الحصار المستمر دخول المعدات الحديثة، ما يجبر الصحفيين على العمل بإمكانيات متواضعة.
ويوضح "ياسين" أن الضغوطات النفسية والاجتماعية، تواجه الصحفيين بكثرة، لافتاً إلى أن معظمهم فقدوا منازلهم أو أحبّاءهم، ويعيشون في ظل ظروف اقتصادية صعبة، ما يضاعف الضغط على عملهم.
ويشدد أن صحفيي قطاع غزة لا يحظون بالحماية الدولية الكافية، كما لا يتم التحقيق الجدي في الانتهاكات التي يتعرضون لها، مرجعاً ذلك إلى نقص الدعم الدولي والمؤسسي.
