وصفت صحيفة الجارديان البريطانية ما يجري في غزة بأنه "الحرب الأكثر فتكًا بالصحافة في التاريخ الحديث"، مؤكدة أن دولة الاحتلال الإسرائيلي لا تكتفي بارتكاب المجازر ضد المدنيين، بل تعمل بشكل متعمد على قتل الصحفيين، في محاولة لإسكات الشهود ومنع العالم من معرفة الحقيقة.
وأبرزت الصحيفة أنه مع استمرار الحرب على غزة، تتزايد الإدانات الدولية لجرائم الاحتلال. ففي الأسبوع الماضي، طالب البابا فرنسيس دولة الاحتلال بوقف "العقاب الجماعي"، فيما حذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من "مستويات غير مسبوقة من الموت والدمار".
كما ضغط أكثر من 500 موظف في الأمم المتحدة على المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك لوصف ما يجري بأنه "إبادة جماعية".
ولفتت الصحيفة البريطانية إلى أن نصف الناخبين المسجلين في الولايات المتحدة باتوا مقتنعين بأن (إسرائيل) ترتكب إبادة جماعية في غزة، وهو ما يعكس مدى التحول في الرأي العام الدولي رغم محاولات تل أبيب وحلفائها تزييف الرواية.
استهداف الصحافة بشكل ممنهج
بحسب لجنة حماية الصحفيين، استشهد أكثر من 220 صحفيا فلسطينيًا منذ اندلاع الحرب، بينهم خمسة قضوا في غارة واحدة الأسبوع الماضي. وتشير منظمات أخرى إلى أن العدد الحقيقي قد يكون أعلى.
وشددت الجارديان على أن ما يجري لا يمكن اعتباره "أضرارًا جانبية"، بل سياسة ممنهجة لإسكات الأصوات الحرة. إذ إن الصحفيين الذين تم اغتيالهم كانوا معروفين بعملهم المهني، وكثير منهم سبق أن تعرض للتهديد أو التشهير من قبل الاحتلال الإسرائيلي بسبب تغطياتهم.
وقد وصفت منظمة "مراسلون بلا حدود" ما يحدث بأنه "المسعى الأكثر فتكًا وتعمداً لقتل وإسكات الصحفيين"، فيما حذّر مديرها العام تيبوت بروتين قائلاً: "بالمعدل الذي يقتل فيه الجيش الإسرائيلي الصحفيين في غزة، فلن يتبقى قريبًا أحد ليبقيكم على اطلاع".
أسماء تتحول إلى رموز
أشارت الصحيفة إلى أنها تنشر بانتظام أسماء الصحفيين الذين وثقت لجنة حماية الصحفيين استشهادهم، بينهم: فاطمة حسونة، حمزة الدحدوح، أنس الشريف، وغيرهم ممن تحولوا إلى رموز للعمل الصحفي المقاوم.
هؤلاء لم يكونوا مجرد ناقلين للخبر، بل أيضاً أمهات وآباء وأصدقاء، شكلت خسارتهم جروحًا عميقة لا يمكن تعويضها.
وأكدت الجارديان أن هذه الخسائر لا تُعد شخصية فقط، بل تمثل إبادة جيل كامل من الصحفيين الفلسطينيين الذين حملوا على عاتقهم مهمة كشف جرائم الاحتلال وتوثيق المعاناة الإنسانية.
ظروف عمل لا إنسانية
نبهت الصحيفة إلى أن الصحفيين في غزة يعملون في ظروف بالغة القسوة: جائعون، مرهقون، منقطعون عن عائلاتهم، وفي كثير من الأحيان يضطرون للتوقف عن التغطية لمساعدة الجرحى أو لانتشال جثث أحبائهم من تحت الأنقاض. بعضهم فقد أسرته بالكامل لكنه واصل العمل لتوثيق الجرائم.
ورغم إدراكهم للمخاطر الهائلة التي تتهددهم، يصر الصحفيون الفلسطينيون على البقاء في الميدان، معتبرين أن شهادتهم هي السلاح الأخير لفضح الاحتلال، وأن تضحياتهم تعادل أهمية المقاومة العسكرية على الأرض.
في المقابل لفتت الصحيفة إلى أن دولة الاحتلال مصممة على التحكم في رواية الحرب. فبدلاً من وقف حملتها الدموية، تسعى إلى منع دخول الصحفيين الدوليين إلى غزة، وتعمل على اغتيال أو اعتقال من ينقلون الحقيقة من الداخل.
وأكدت الصحيفة أن استهداف الإعلام ليس عرضياً، بل جزء من خطة إسرائيلية أوسع هدفها طمس الأدلة على جرائم الحرب والإبادة الجماعية. ولذلك، تستمر دولة الاحتلال في قصف المناطق التي أعلنتها سابقاً "مناطق إنسانية"، ما يكشف زيف روايتها ومحاولتها المتعمدة لتضليل الرأي العام العالمي.
دعوات لمحاسبة الاحتلال
دعت منظمات دولية مثل "مراسلون بلا حدود" و"آفاز" إلى فتح حدود غزة أمام الصحفيين الدوليين فوراً، والالتزام بالقانون الدولي الذي ينص على حماية الصحفيين باعتبارهم مدنيين.
كما شددت هذه المنظمات على أن ما يجري يتطلب تحقيقًا دوليًا مستقلاً لمحاسبة قادة الاحتلال على الجرائم المرتكبة بحق الإعلاميين.
وخلصت الجارديان إلى أن قتل الصحفيين الفلسطينيين هو جزء من معركة الاحتلال الإسرائيلي للسيطرة على الحقيقة. فكلما ازداد عدد الشهود الذين يسقطون، اعتقدت تل أبيب أنها تقترب من فرض روايتها.
لكن الواقع أن دماء هؤلاء الصحفيين أصبحت دليلاً دامغًا على وحشية الاحتلال، ورمزًا لصمود الفلسطينيين في مواجهة آلة القتل والإبادة.
وأكدت أن حرب الإبادة الإسرائيلية لم تكتفِ بإبادة المدنيين وتجويعهم وتشريدهم، بل امتدت إلى إبادة جيل كامل من الصحفيين، في محاولة لقتل الحقيقة نفسها. ومع ذلك، يواصل الإعلاميون الباقون في غزة رفع أصواتهم، متحدّين رصاص الاحتلال، ليؤكدوا أن الحقيقة لا يمكن أن تُدفن تحت الركام.
