لا يتوقف المستوطنون عن ممارسة اعتداءاتهم بأشكال مختلفة ضدالمزارع الفلسطيني، خاصة في موسم الزيتون، وفي كل عام يبتكرون أسلوبا جديدا لإلحاق الأذى بالمزارعين وأشجارهم، وأحدث هذه الأساليب هذا العام كان محاولة استنساخ طقوس قطف الزيتون التي توارثها الفلسطيني عن أجداده.
لطالما كان لقطف الزيتون طقوسه الخاصة في التراث الفلسطيني، فمن إعداد قلاية البندورة وإبريق الشاي على الحطب، إلى استخدام الوسائل اليدوية في القطف ومشاركة أفراد العائلة بمن فيهم الأطفال، كلها عناصر تشكل مجتمعة لوحة مميزة يرسمها الفلاح الفلسطيني كل عام.
وقبل أيام، نشرت صفحات المستوطنين صورا وثقوا فيها قيامهم بقطف وسرقة ثمار الزيتون في أراضي المواطنين في بلدة قصرة جنوب شرق نابلس، بمشاركة أطفالهم ونسائهم، ولم ينسوا توثيق ذات المشاهد التي اعتاد الفلسطينيون على نشرها في هذا الموسم.

سخط وقلق
وأثارت تلك الصور حالة من السخط في صفوف الفلسطينيين عموما، وبين أصحاب تلك الأراضي بشكل خاص.
الباحث في الموروث الشعبي الفلسطيني حمزة العقرباوي وصف تلك الصور بـالمرعبة والمقلقة.
وقال العقرباوي لـ"وكالة سند للأنباء" إن تقليد المستوطن لمشاهد قلاية البندورة وإبريق الشاي ومشاركة الأطفال في قطف الزيتون، تعني أن المستوطن يحاول ان يبني علاقة مع الأرض والشجرة من خلال استدعاء الثقافة المرتبطة بهما.
ويبين العقرباوي أن هذه المشاهد يحرم منها المزارع الفلسطيني ويسرقها سرقةً، وهو يحاول إنجاز القطف على عجل، في حين أن المستوطن بات يمارسها اليوم بكل أريحية في ظل حماية السلاح وتوفير كل الإمكانات له ليمارس علاقة مع أرض لا يمتلكها ولم يزرعها.

ويشير إلى أن هذه الصور تشكل صدمة للفلاح الفلسطيني وهو يرى أرضه التي يمنعه الاحتلال من الوصول إليها لقطف ثمارها، وإذا وصل فإنه يكون في عجلة من أمره ولا يجد وقتا لممارسة طقوس القطف خوفا من تهديدات المستوطنين واعتداءاتهم.
وقال: "نحن أمام نماذج جديدة من الاستيطان، وشكل مختلف من المستوطنين في الضفة".

ويعتبر أن محاولة سرقة طقوس قطف الزيتون هي شكل آخر من ظواهر مشابهة برزت في الفترة الأخيرة، مثل الاستيطان الرعوي، والمستوطن المزارع الذي لا يعتمد أسلوب الزراعية العصرية، وإنما يستلهم طبيعة وروح الفلاحة الفلسطينية التقليدية من حيث التعامل مع الأرض والأشجار ونوعية الزراعة وطريقتها والثقافة المرتبطة بها.
رسائل متعددة
ويقول ضيف "سند" إن نشر المستوطنين لهذه الصور يحمل رسائل متعددة، أولها موجه إلى المجتمع الإسرائيلي بأننا موجودون هنا ونبني علاقة مع الأرض، وبالتالي تشجيع مجموعات أخرى على القدوم وممارسة هذه الطقوس.
ويشير إلى أنه في الشهور الأخيرة، أنشئت عشرات البؤر الاستيطانية في مناطق (ج)والتي تكثر فيها أشجار الزيتون، "والرسالة الموجهة للمستوطن لا تكتفي ببناء بيت على الأرض وإنما مارس حياتك كفلاح في قطف الزيتون".
كما يرى فيها رسالة موجهة للفلسطيني، للإمعان في قهره وإذلاله ومحاولة كسر إرادته.
ويقول العقرباوي: "عندما شاهدت الصور علقت عليها: يا ذل الدهر"، متسائلا: "ماذا سيكون شعور الفلاح صاحب الأرض عندما يرى الصور؟".
أما الرسالة الأخيرة فهي موجهة للعالم تحاول اختلاق وتقديمرواية متكاملة عن علاقة مزعومة بين المستوطن والأرض في الضفة الغربية التي يسمونها "يهودا والسامرة".
ويقول العقرباوي: "دائما كان الفرق بيننا وبينهم أننا أصحاب هذا الأرض ولدينا ثقافة متصلة بالأرض وعلاقتنا بشجرة الزيتون ليس مجرد مصدر غذاء، وإنما لدينا ثقافة مرتبطة بشجرة الزيتون والطعام ونمط الحياة".

ويضيف: "اليوم المستوطن يسرق هويتنا وتراثنا ونمط حياتنا، وينشر صوره للعالم والمجتمعات الغربية، مدعيا أن هذه ثقافته".
شكل استيطاني جديد
ويحذر العقرباوي من التعاطي مع هذه الصور بشكل طبيعي، أو الترويج لها، ويقول:"ينبغي لنا أن لا نعززها في أذهان أبنائنا، وإنما أن توصم بأنها شكل من أشكال الاستيطان والاستعمار، وأن ينبه الإعلام لخطورتها".
ويدعو في الوقت نفسه إلى خلق الصورة الأصيلة التي يمارس الاحتلال حربا على الفلسطيني لمنع تكوينها.
ويؤكد العقرباوي أن الاحتلال يبذل جهودا منظمة لسرقة واستلاب التراث الفلسطيني، وهناك أمثلة كثيرة كسرقة التطريز والكوفية والأطباق الفلسطينية، ويقابلها جهود فلسطينية فردية في مواجهة السرقة.
ويشير بهذا الصدد إلى الافتقار لوزارة تعنى بالتراث، وغياب جهود حقيقية لتعزيز قيمة التراث، إذ يجري العمل على التراث بشكل موسمي، دون فعل حقيقي جوهري.
أخطر المواسم
وحددت وزارة الزراعة، اليوم الخميس، التاسع من أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، موعدا لبدء قطف الزيتون هذا العام، وسط توقعات بموسم ضعيف بسبب الظروف المناخية، كما يقول خبراء الزيتون.
لكن المستوطنين استَبَقوا انطلاق الموسم، وسبقوا الفلاحين إلى أراضيهم، وباشروا اعتداءاتهم بسرقة الثمار وتقطيع واقتلاع الأشجار.
ويؤكد الناشط في مواجهة الاستيطان بشار القريوتي أن الأوضاع المصاحبة لموسم الزيتون هذا العام أخطر من سابقاته.
وأوضح القريوتي لـ"وكالة سند للأنباء" أنه بينما كان معظم المستوطنين مجندين في الحرب على غزة في العام الماضي، فإنهم تفرغوا هذا العام من أجل تصعيد اعتداءاتهم في الضفة والاستيلاء على الأراضي ومحاولة فرض سيطرتهم على كل مناطق (ج) ومنع الفلسطينيين من الوصول إليها.
ولفت إلى أنه في الأعوام الماضية كان يجري التنسيق لوصول المزارعين إلى أراضيهم لقطف الزيتون، سواء عبر الارتباط الفلسطيني أو الصليب الأحمر، لكن في هذا العام لم يتم حتى مناقشة الأمر حتى الآن.
وأشار إلى أن المستوطنين ينتشرون في مختلف المناطق ويسابقون الزمن لسرقة أكبر قدر من محصول الزيتون قبل توجه الفلسطينيين لأراضيهم.
ويبين أن المستوطنين يدخلون للأراضي لسرقة المحصول، وعند تصدي المواطنين لهم، يتدخل الجيش بقمع المواطنين والاعتداء عليهم وملاحقتهم.
وتتركز اعتداءات المستوطنين في وسط الضفة حيث يتمركز فيها 24 مجمعا استيطانيا، نصفها أنشئ خلال الحرب على غزة، ويقوم بتلك الاعتداءات مستوطنون مسلحون يطلقون الرصاص على المواطنين.
وينبه القريوتي إلى أن المستوطنين تعمدوا خلال الفترة الماضية إقامة بؤر استيطانية في الجبال التي تكثر فيها أشجار الزيتون، ووضعوا خيامهم بين الأشجار، ليمهدوا الطريق لتصنيف تلك الأراضي كمناطق خطرة يحظر على الفلسطينيين الوصول إليها بسبب تواجد المستوطنين.
