لم تكن والدة الطفل محمد الحلاق، ذي التسعة أعوام من قرية الريحية جنوب الخليل، تعلم أن مغادرته للمنزل للعب كرة القدم مع رفاقه، ووداعها له، سيكون الأخير قبل أن يعود للمنزل شهيدًا محمولاً على الأكتاف.
رصاصة واحدة من جندي إسرائيلي ترجل من مركبة عسكرية خلال اقتحام القرية، وكان الهدف أمامه الطفل محمد بهجت الحلاق "٩ سنوات و٣ أشهر"، لتخترق خاصرة جسده الصغير، ويرتقي شهيدًا.
ولم يكن مساء الخميس يوماً عادياً على عائلة الطفل وقرية الريحية، بعد أن تناهى إلى أسماعهم الخبر، ليهرع المواطنون محاولين نقله للمستشفى التي لا تبعد سوى 10 دقائق.

لكنّ تعمُّد الاحتلال تأخير مركبة الإسعاف لأكثر من نصف ساعة، جعلت الطفل ينزف كثيرًا من الدماء، ليصل مستشفى يطا الحكومي جثة هامدة.
تعمد إطلاق النار
ويسرد عم الشهيد وأحد شهود العيان، في حديث لـ "وكالة سند للأنباء"، تفاصيل ما جرى، مؤكديْن أن جنديًّا إسرائيليًّا تعمد إطلاق النار صوب الطفل بشكل مباشر، ومن مسافة ١٥٠ مترًا فقط، ومنع الوصول لإسعافه، وكرر إطلاق النار صوبه.
وأشار عم الشهيد محمد الحلاق، أن التسجيلات المصورة تكشف أن ما جرى عملية إعدام بدم بارد، حيث أظهرت الطفل يقف أثناء اقتحام مركبة لجيش الاحتلال المنطقة قرب ساحة مدرسة بنات الريحية، ليترجل أحد الجنود ويطلق النار صوبه بشكل مباشر.
حزن عميق
والطفل محمد طالب في الصف الرابع، ومعروف بذكائه بين زملائه، ولديه شقيق يكبره بعام وشقيقتان تصغرانه، ما زال الثلاثة بجانب الأم والأب، يعيشون صدمة الفراق منذ تلقيهم خبر استشهاده.
وفقدت مدرسة الريحية أحد طلابها، ليظل مقعده شاغرًا إلا من صورة علقها زملاؤه للذكرى.

تحقيق في جريمة واضحة
وقال عم الشهيد الحلاق إن جيش الاحتلال أعلن عن فتح تحقيق في ظروف استشهاد الطفل، لكن العائلة تشكك في مصداقيته، لأن الجريمة واضحة وليست بحاجة لتحقيق في إعدام طفل بريء، على يد جندي مدجج بالسلاح.
ورغم ما ارتكبه جيش الاحتلال، فقد عاود اقتحام في اليوم التالي، وأخضع المواطنين لعمليات تحقيق، وعمد لفحص تسجيلات الكاميرات، وتعمد إزالة علم فلسطين وصور الشهيد من بيت العزاء.
ويروي الطفل إبراهيم، أحد الأصدقاء المقربين للشهيد، أنه كان برفقة محمد لحظة إطلاق النار عليه، ولدى سماعهم عن اقتحام آليات الاحتلال، خلال لعبهم كرة القدم، حاولوا الاحتماء في مكان قريب، وشاهدوا جنديًّا يترجل من الآلية ويطلق ٤ قنابل صوت، ثم رصاصة استقرت في جسد محمد.
قتل الأطفال سياسة إسرائيلية
ويؤكد مسؤول الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال في فلسطين عايد أبو قطيش، أن جرائم قتل الأطفال الفلسطينيين، تتم عبر سياسة إسرائيلية واستراتيجية، تهدف إلى الترويع والتخويف، وليست أحداثًا فردية من قبل جنود.
وشدد قطيش في حديث لـ "وكالة سند للأنباء"، على أن جنود الاحتلال لا يفرقون بين طفل أو بالغ عند إطلاق الرصاص خلال عمليات الاقتحام واندلاع مواجهات، ويستخدمون الرصاص الحي للقتل، حتى لو كان بالإمكان استخدام وسائل أخرى لا تؤدي للقتل.
ولفت قطيش إلى أن غياب المساءلة للجنود الإسرائيليين والسماح بإفلاتهم من العقاب، جعلت من عملية إطلاق النار والقتل أمرًا سهلًا للجنود.
ويرى في حالة قتل الطفل الحلاق أن الحديث يدور عن طفل تسعة أعوام، مما يؤكد على عدم وجود أي حماية لطفل يلعب في مكان بعيد عن تواجد الجنود.
ويردف "عملية القتل لم تعد مرتبطة بالمستوطنين، بل بالجنود في ظل غياب المساءلة في استيعاب إطلاق النار على الأطفال، وحتى منع الإسعاف من الوصول للطفل وتركه ينزف حتى الموت".

ويشير إلى أن الحديث عن تحقيقات إسرائيلية يتم عادة في حالة تسليط الضوء على أي جريمة قتل لطفل، وبالمجمل لا يتم فتح تحقيق، أو أن نتيجة التحقيق تكون معروفة مسبقاً، بعدم تحميل الجنود أية مسؤولية، وأنهم يتصرفون وفق أوامر محددة.
ويلفت أبو قطيش إلى أنه وعلى مدار السنوات العشر الماضية، لم تتم إدانة أي جندي في حوادث قتل أطفال، سوى في حالة واحدة عام ٢٠١٥، ولم يكن العقاب مناسباً مع فداحة الجريمة، حيث حكم على الجندي بالسجن ٩ شهور، وتم لاحقاً تخفيفها، وهو ما يشير إلى سياسة إسرائيلية وليس حالات فردية.
وحسب قطيش؛ فقد تصاعدت الانتهاكات الإسرائيلية بحق الأطفال في الضفة الغربية، بجانب المجزرة الأكبر بحقهم في غزة، حيث قتل الاحتلال، منذ أكتوبر ٢٠٢٣، نحو ٢١٧ طفلاً بالضفة بينهم ٤٢ خلال العام الجاري، عدا عن اعتقال ٣٦٠ طفلًا، نصفهم معتقلون إداريًّا.
