يشهد قطاع غزة منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية تدميرًا واسعًا وغير مسبوق لقطاع الإنتاج الحيواني والزراعي، ما أدى إلى انهيار شبه كامل للثروة الحيوانية وفقدان القطاع لأي قدرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي.
وتظهر بيانات رسمية أن آلاف الأبقار والأغنام والدواجن نفقت بفعل القصف المباشر ونقص الأعلاف والمياه، في وقت لحقت أضرار جسيمة بالبنى التحتية الزراعية من حظائر ومزارع ومخازن أعلاف، ما عمّق من مستوى انعدام الأمن الغذائي في القطاع المحاصر.
انهيار شبه كامل للماشية والدواجن
وفي هذا السياق أكد مستشار وزير الزراعة لشؤون غزة، باسل حماد، أن قطاع الإنتاج الحيواني تعرض لدمار "شبه كامل" حتى نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، نتيجة الحرب والقصف المكثف.
وأوضح حماد لـ "وكالة سند للأنباء"، أن قطاع الأبقار كان الأكثر تضررًا بعد نفوق ما يقارب كامل القطيع، إذ لم يتبقَّ سوى 73 رأسًا فقط، في حين تكبدت الأغنام خسائر فادحة قُدرت بنحو أربعة أخماس القطيع، ولم ينجُ منها سوى 11,394 رأسًا. أما الماعز، فقد فقد ثلثي عددها تقريبًا مع بقاء أقل من ثلاثة آلاف رأس.
وأضاف حماد أن الحيوانات الصغيرة سجّلت بدورها خسائر مرتفعة تجاوزت ثلاثة أرباع القطيع، بينما شهد قطاع الدواجن انهيارًا شبه كامل، خصوصًا دواجن التسمين التي لم ينجُ منها سوى ما يزيد بقليل عن 25 ألف طير فقط.
ولم يكن وضع دواجن البياض أفضل حالًا، إذ تراجع عددها إلى نحو مئة ألف طير بعد خسارة أكثر من ثلثي القطيع.
ومع هذا الانهيار الكبير، فقدت غزة 88% من إنتاجها من الدواجن بجميع أصنافها.
أما الحيوانات العاملة المستخدمة في النقل والزراعة فقد كانت الأقل تضررًا نسبيًا، رغم تسجيل نفوق قارب النصف.
وأشار حماد إلى أن هذا التدمير الشامل أدى إلى اتساع فجوة انعدام الأمن الغذائي، وتراجع حاد في توفر البروتين الحيواني للمواطنين، مؤكدًا أن انهيار قطاع الثروة السمكية فاقم من الأزمة بعد فقدان نحو أربعة آلاف شخص مصدر رزقهم. كما انعكس هذا الواقع مباشرة على الأسعار التي شهدت ارتفاعات حادة لم تشهدها غزة من قبل.
خسائر اقتصادية وأزمة أسعار
من جانبه، وصف المختص في الشؤون الاقتصادية أحمد أبو قمر ما حدث بأنه "ضربة قاصمة" لركن أساسي من أركان الأمن الغذائي في غزة، مشيرًا إلى أن الإنتاج الحيواني فقد أكثر من 95% من قدرته منذ بداية الحرب.
وبيّن أبو قمر في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء" أن الخسائر المباشرة لهذا القطاع خلال عامين من الحرب تُقدر بنحو 150 مليون دولار، إلى جانب خسائر غير مباشرة مرتبطة بتوقف سلاسل الإنتاج التي كانت تغذي أسواق اللحوم والبيض والدواجن.
وأوضح أبو قمر أن نقص الأعلاف والمواد الأساسية اللازمة للتشغيل أعاق إمكانية إعادة بناء المزارع، وأدى إلى ارتفاع كبير في الأسعار يرهق المستهلكين، خاصة مع توقف الاستيراد وصعوبة التربية والتلقيح وغياب القدرة على تعويض القطعان التي فُقدت.
وذكر أن القطاع كان يساهم بما نسبته 11 إلى 13% من الناتج المحلي الإجمالي لغزة قبل الحرب، وأن انهياره ساهم في انكماش الاقتصاد الفلسطيني بأكثر من 30% خلال عام 2024.
السوق السوداء والضغوط على المستهلكين
وأشار أبو قمر إلى أن تدمير عشرات مزارع الدواجن، التي كانت تنتج قبل الحرب قرابة مليوني دجاجة شهريًا، أفقد غزة قدرتها شبه الكاملة على الاعتماد على ذاتها في هذا المجال.
كما اصطدمت الجهود الحكومية لتنظيم الاستيراد بعقبات كبيرة بسبب فقدان السيطرة على المعابر وانتشار السوق السوداء، حيث تُباع المنتجات بأسعار مضاعفة، فيما تصل رسوم التنسيق على الشاحنات إلى مئات آلاف الشواكل، ما زاد من الأعباء على التجار والمستهلكين على حد سواء.
ولم تتوقف تداعيات الأزمة عند حدود المواطنين، بل امتدت لتطال المطاعم والمنشآت الغذائية التي باتت مهددة بالإغلاق وسط نقص الغاز وارتفاع أسعاره إلى مستويات غير مسبوقة، حيث بلغ سعر الكيلوغرام نحو 80 شيكلًا، الأمر الذي أجبر العديد من أصحاب المحال والمنشآت الصغيرة على تقليص نشاطهم أو التوقف عن العمل كليًا.
