وصفت صحيفة الغارديان البريطانية القرار الذي أقره مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة مساء الثلاثاء، والذي يهدف إلى تحويل وقف إطلاق النار الهش في غزة إلى خطة سلام حقيقية، بأنه أحد أغرب القرارات في تاريخ الأمم المتحدة.
وقالت الصحيفة إن الخطة الجديدة تضع دونالد ترامب في السلطة العليا في غزة، وربما يكون توني بلير مرؤوسا مباشرا له في "مجلس السلام"، الذي سيشرف على قوات حفظ السلام متعددة الجنسيات، ولجنة من التكنوقراط الفلسطينيين وقوة شرطة محلية، لمدة عامين.
وأضافت "لا أحد يعلم من سيشارك في "مجلس السلام" - فقط أنه، كما أعلن ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي "سيرأسه أنا، وسيضم أقوى القادة وأكثرهم احتراما في جميع أنحاء العالم".
وتابعت "سيرفع المجلس تقاريره إلى مجلس الأمن، ولكنه لن يكون تابعًا للأمم المتحدة، أو خاضعًا لقرارات الأمم المتحدة السابقة. وسيشرف على قوة الاستقرار الدولية (ISF)، التي لم يُحدد بعد عدد أعضائها، والتي ترغب الولايات المتحدة في نشرها بحلول يناير".
وأشارت الصحيفة غلى أن الدول التي تواصلت معها الولايات المتحدة - بما في ذلك مصر وإندونيسيا وتركيا والإمارات العربية المتحدة – مترددة بشأن احتمال المشاركة في القوة الدولية المقترحة في غزة.
وينص القرار على أن قوة الاستقرار الدولية ستضمن "عملية نزع السلاح" في غزة - مما يشير إلى أنها ستضطر إلى سحب الأسلحة من فصائل المقاومة التي أصرت فورًا بعد تصويت الأمم المتحدة على أنها لن تنزع سلاحها.
ولا يرغب المُرشَّحون للمساهمة بقوات في مواجهة مباشرة مع فصائل المقاومة، في وقت يُفترض أن تتولى قوات الاحتلال الإسرائيلي مسؤولية الأمن في الأراضي التي تحتلها تلك القوات حاليًا، لكن هذا أيضًا قد يُمهِّد الطريق للاشتباكات، خاصةً إذا تردد الإسرائيليون في المغادرة.
ضبابية الغموض
أبرزت الغارديان أنه لا يوجد وضوح أكبر بشأن لجنة التكنوقراط الفلسطينية التي ستُكلَّف بإدارة شؤون قطاع غزة اليومية ، بتوجيه من ترامب ورفاقه من القادة. سيكون من الصعب، على أقل تقدير، إيجاد أيٍّ من هؤلاء التكنوقراط، مستعدٍّ للعمل مع ترامب، ويملك أي نفوذ على الفلسطينيين الباقين على قيد الحياة في غزة، والبالغ عددهم 2.2 مليون نسمة. وينطبق الأمر نفسه على قوة الشرطة المزعومة.
وعلى الرغم من ضبابية الغموض، فقد منح قرار مجلس الأمن رقم 2803 كل هذه الهيئات الطموحة قوة القانون الدولي، في محاولة لتحويل اقتراح ترامب للسلام المكون من 20 نقطة إلى نوع من الخطة وتعزيز وقف إطلاق النار الهش الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في الشهر الماضي إلى سلام دائم.
وإن حقيقة أن القرار قد تم تمريره بأغلبية 13 صوتا مقابل صفر معارضة مع امتناع روسيا والصين عن التصويت، هي شهادة على ضبابيته المدروسة فضلاً عن الإرهاق واليأس العالميين بشأن غزة بعد عامين من القصف الإسرائيلي الذي خلف أكثر من 70 ألف شهيد فلسطيني، وتدمير نحو 70% من المباني في المنطقة الساحلية بالكامل، وتوصلت لجنة الأمم المتحدة إلى أن (إسرائيل) ارتكبت إبادة جماعية.
وبعد التصويت، وصف المبعوث الأمريكي مايك والتز القرار بأنه تحويلي - "مسار جديد في الشرق الأوسط، للإسرائيليين والفلسطينيين وجميع شعوب المنطقة على حد سواء".
وعندما جاء دور بقية أعضاء المجلس للتحدث، كانوا أكثر حذراً، حيث صاغوا دعمهم أو موافقتهم في إطار ما قد يترتب على القرار، وليس في إطار ما هو موجود بالفعل في النص.
كان هذا صحيحًا بشكل خاص فيما يتعلق بالدولة الفلسطينية . بناءً على إصرار الدول العربية والإسلامية، عُدِّل القرار في الأيام الأخيرة ليذكر على الأقل دولة فلسطين المستقبلية.
إلا أن القرار لم يُشر إلى الحق الأساسي للفلسطينيين في تقرير المصير والالتزام الدولي بحل الدولتين، بل بلغة عرض بعيد المنال ومشروط وبعيد المنال. فإذا ما أجرت السلطة الفلسطينية إصلاحات مرضية وتقدمت إعادة إعمار غزة، فقد جاء في القرار أن "الظروف قد تهيئة لمسار موثوق نحو تقرير المصير الفلسطيني وإقامة الدولة".
ورغم أن هذا يبدو غامضا، فقد رأى الدبلوماسيون الأوروبيون انتصارا كبيرا في إقناع مبعوث إدارة ترامب بقول عبارة "تقرير المصير والدولة الفلسطينية" بصوت عال، مهما كانت المحاذير.
انزعاج اليمين الإسرائيلي
أشارت الغارديان إلى أن صياغة القرار 2803 أكثر مما يمكن أن يحتمله اليمين المتطرف في ائتلاف بنيامين نتنياهو، الذي رد بغضب، مما أجبر رئيس الوزراء على إعادة تأكيد اعتراضاته الغريزية على أي اقتراح بالسيادة الفلسطينية.
وقد وجدت الحكومات التي أيدت القرار، رغم تجاهلها، بعض العزاء في انزعاج اليمين الإسرائيلي المتشدد. وترى الدول الأوروبية والإسلامية أن إقرار القرار سيُبقي ترامب منشغلاً، مما يُؤمل أن يزيد من تدفق المساعدات الإنسانية إلى غزة في المستقبل القريب، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام احتمالات السلام الدائم وإقامة الدولة الفلسطينية.
وكلما زاد تمثيل المجتمع الدولي في "مجلس السلام" وكلما زادت مشاركة الدول العربية والإسلامية في القوة الأمنية المؤقتة، كما يزعم المتفائلون في هذه العواصم، كلما أصبح من الصعب على (إسرائيل) الحفاظ على سيطرتها الحصرية المعتمدة من الولايات المتحدة على الأراضي المحتلة.
ومن خلال المضي قدماً في "خطة ترامب"، يأمل الفلسطينيون في محاكاة دولة الاحتلال والتفوق عليها في نهاية المطاف في لعبتها الخاصة، وركوب نمر غرور الرئيس الأميركي، على أمل توجيهه في نهاية المطاف نحو الاتجاه الذي يرغبون فيه.
لقراءة نص التحقيق كاملا في صحيفة الغارديان أضغط هنا
