سلط موقع "ذا إنترسبت" الأمريكي الضوء على إعلان "مؤسسة غزة الإنسانية" المدعومة من الولايات المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي عن توقفها عن تقديم المساعدات في قطاع غزة، في خطوة أثارت جدلاً واسعًا حول دور المؤسسات الأمريكية في الأزمة الإنسانية الفلسطينية.
وذكر الموقع أنه على الرغم من إعلانها عن "نجاح" عملياتها عبر توزيع 3 ملايين صندوق غذائي، فإن الحقيقة الميدانية تشير إلى سقوط مئات الفلسطينيين شهداء خلال محاولتهم الحصول على هذه المساعدات، إلى جانب آلاف آخرين الذين توفوا نتيجة المجاعة والظروف الصعبة التي فرضتها الحصار الإسرائيلي.
ونبه الموقع إلى توثيق صور مأساوية لعمليات القتل خلال محاولات الحصول على الغذاء، بينها جثة رجل استشهد بالقرب من أحد مراكز التوزيع التي تديرها المؤسسة في نتساريم يوم 4 أغسطس/آب 2025، وهو المشهد الذي أصبح رمزًا للفشل الإنساني لهذه المؤسسة.
ومنذ مايو/أيار، وبعد أن طردت دولة الاحتلال المنظمات الإغاثية العريقة، أصبحت مؤسسة غزة الإنسانية الموزع الوحيد للمساعدات، بموجب تمويل أمريكي مباشر.
ووفقًا لإحصاءات مسؤولي الصحة في غزة، فقد استشهد ما يقارب 3000 فلسطيني على أيدي الجنود الإسرائيليين والمتعاقدين الأمريكيين أثناء محاولتهم الوصول إلى مراكز التوزيع، بينما وصفت منظمة أطباء بلا حدود مواقع التوزيع بأنها "مواقع قتل مُدبّر" بعد علاجها نحو 900 جريح في أربعة مراكز فقط.
وفي أغسطس/آب، أعلن التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي حالة المجاعة في مدينة غزة، غير أن مؤسسة غزة الإنسانية اقتصرت على أربعة مواقع توزيع فقط، دون توسيع نطاق عملياتها ليشمل المناطق الأكثر حاجة، مما أدى إلى استشهاد ما لا يقل عن 175 فلسطينيًا خلال الشهر الأول للمجاعة.
أسوأ نماذج المساعدات
أكدت أنستازيا موران، مديرة المناصرة في منظمة ميدغلوبال، أن نموذج صندوق الإغاثة العالمي (GHF) الذي تديره المؤسسة الأمريكية "من أسوأ نماذج المساعدات في القرن الحادي والعشرين"، معتبرةً أن المشروع فشل من جميع النواحي، وفشل في حماية المدنيين أو إيصال الغذاء بشكل آمن.
وترتبط مأساة غزة بتعقيدات سياسية ودور المؤسسة الأمريكية بشكل مباشر في إدارة الأزمة. فقد تم إنشاء المؤسسة، التي تتخذ من سويسرا مقرًا لها، تحت قيادة جوني مور، قس إنجيلي ومستشار ديني سابق لإدارة ترامب، بعد أن استقال القناص الأمريكي السابق جيك وود من منصبه احتجاجًا على عدم التزام المؤسسة بالمبادئ الإنسانية الأساسية.
كما استبعد نموذج GHF الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة الدولية من إدارة عمليات التوزيع، بحجة قدرته على إيصال الغذاء دون تدخل أطراف أخرى، مستغلاً حملة تضليل إسرائيلية تدعي سيطرة المقاومة على المساعدات، وهو ما نفته الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية.
واستخدمت المؤسسة شركات أمريكية للخدمات اللوجستية والأمن، UG Solutions وSafe Reach Solutions، تحت إشراف جنود سابقين من القوات الخاصة الأمريكية ووكالة المخابرات المركزية، ما حول مواقع توزيع المساعدات إلى نقاط خطر شديدة، حيث تحولت الطوابير الطويلة إلى تدافع شبه يومي، وسقط العديد من الفلسطينيين شهداء أو جرحى على أيدي المتعاقدين الأمريكيين أو الجيش الإسرائيلي.
انعكاس للحصار المميت
ورأى سكوت بول، مدير السلام والأمن في منظمة أوكسفام أمريكا، أن صندوق الغذاء العالمي لم يكن سوى "أداة سلبية" تعكس الحصار المميت الذي فرضته دولة الاحتلال على غزة، مؤكداً أن الهدف الحقيقي للنموذج الأمريكي لم يكن إنقاذ المدنيين، بل خنق السكان الفلسطينيين ضمن سياسات الحصار.
وتستمر الحكومة الإسرائيلية في منع وصول المساعدات الإنسانية، بينما تنتظر الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الأساسية إقرار وصول الإمدادات إلى غزة، حيث تم منع أكثر من 100 طلب لإيصال المساعدات خلال الشهر الأول بعد وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول.
وفي الوقت الذي أنهت فيه المؤسسة الأمريكية عملياتها، أعلنت أنها ستبقى جاهزة لإعادة التشكيل، تحت إشراف مركز التنسيق المدني العسكري الإسرائيلي-الأمريكي، ما يمثل خطوة ضمن خطة أوسع لإدارة إعادة بناء غزة وفق مشروع ترامب المكون من 20 نقطة، والذي استبعد الفلسطينيين من أي مشاركة فعلية في القرار، متجاهلاً قرارات الأمم المتحدة السابقة لإنهاء الاحتلال وتحقيق دولة فلسطينية مستقلة.
وتخشى جماعات الإغاثة من أن يكون نموذج GHF قد أصبح مثالًا يحتذى به، مع الاعتماد على شركات خدمات لوجستية وأمنية أمريكية لتحقيق الربح، بدلًا من تأمين حياة الفلسطينيين، كما حدث في جنوب السودان، حيث أقدمت مجموعة مقاولين أمريكيين على إسقاط المساعدات جويًا.
وفي غزة، وقع نفس النوع من الصفقات مع UG Solutions، وسط خطط أمريكية لبناء "مجتمعات آمنة بديلة" مسيجة تخضع لسيطرة إسرائيلية، تنقل إليها الفلسطينيون النازحون وتمنحهم وصولًا محدودًا للمساعدات.
وبذلك يبرز الدور الأمريكي المباشر في الأزمة الإنسانية بغزة، ليس فقط من خلال التمويل، بل عبر إدارة الصراع الإغاثي كجزء من استراتيجيات السيطرة الإسرائيلية، مما يجعل من نموذج GHF تحذيرًا عالميًا من استخدام المساعدات الإنسانية كأداة سياسية وعسكرية.
لقراءة نص التقرير كاملا في موقع "ذا إنترسبت" أضغط هنا
