في غزة، حيث تتسع هوة الفقد ويضيق مدى النجاة تحت نار الإبادة، يخرج الفنان الغزّي عبد الله نطّط (30 عامًا) كصوتٍ لم يستطع الموت إسكاتَه.
يروي عبد الله حكايته لـ"وكالة سند للأنباء" من قلب الألم؛ لا ليَرثي نفسه، بل ليؤكد أن الحياة قادرة على الوقوف من فوق كرسي متحرّك، وأن الصوت وحده قد يصبح قدمين جديدتين لا تنكسران.
كان عبد الله مطربًا يُحيي حفلات الأعراس ويمثّل فلسطين في مهرجانات عربية داخل مصر وخارجها، ينقل الفرح من منصة إلى أخرى.
لم يكن يتخيل أن حرب الإبادة الإسرائيلية التي استمرت لعامين على غزة ستطفئ الأضواء كلها دفعة واحدة، لتغلق أبواب الرزق أمامه وأمام فريقه الفني الذي يضم 11 فردًا.
انقطعت الأفراح عن أحياء غزة وشوارعها، وخيّم الصمت على المنصّات، وغابت البسمة عن وجوه الناس، يقول عبد الله بصوت يختلط بالوجع: "الحرب أخذت قدميّ، لكنها لم تأخذ صوتي.. أطفأت الفرح، لكنها لم تنتزع حلمي ولا رسالتي".
ورغم فداحة الفقد الذي أصابه بضربة واحدة، بقي قادرًا على الغناء، وظل مؤمنًا بأن دوره صار أكبر من مجرد فن.
حين يصبح الفن واجبًا
بعد توقف عمله الفني، لم يستسلم عبد الله ولا أفراد فرقته. أدركوا أن الغناء، في ظل الحرب، لم يعد ترفًا بل أصبح حاجة إنسانية مُلحّة للأطفال المحاصرين بالخوف والصدمة.
اتجه الفريق إلى العمل الترفيهي والدعم النفسي للأطفال في المراكز والمخيمات والمدارس، وخضعوا لورش تدريبية تُعِدّهم للتعامل مع الأطفال في أماكن النزوح.
يضيف عبد الله: "صار الفن بالنسبة لنا واجبًا، ليس أغنية فقط، بل محاولة لإنقاذ روح طفل فقد بيته أو عائلته".
وصل عبد الله وفريقه لكل شارع ومخيم ومدرسة يستطيعون بلوغها، بحثًا عن الأطفال الأكثر هشاشة؛ أولئك الذين فقدوا منازلهم أو عائلاتهم، أو الذين صاروا يقفون في طوابير الماء والطعام بدل طوابير الألعاب.
كان يحاول أن يزرع في أرواحهم ما تبقى من طفولة، ويرى في كل ضحكة ينتزعها محاولة صغيرة لإحياء مدينة يحاصرها الظلام.
الثالثة عصرًا.. لحظة الفقد
وعن تفاصيل اللحظة التي غيّرت حياته إلى الأبد، يحكي لعبد الله لمراسلتنا: "في 27/9/2025 كنتُ عند مفترق السرايا وسط غزة أشتري بعض الحاجيات قبل اجتماع عمل.. عند الساعة الثالثة عصرًا، أظلمت الدنيا شعرت بالأرض تهتز.. وجدت نفسي ملقى على الأرض بعد قصف استهدف مجموعة من المواطنين".
نظر إلى قدميه معتقدًا أن الإصابة بسيطة، لكنه اكتشف الحقيقة القاسية.. قدماه كانتا قد انفصلتا تمامًا عن جسده، وقبل أن يفقد وعيه، كان يدرك حجم الفقد، فسَلّم أمره لله.
قضى عبد الله شهرًا في المستشفى بين الألم ومحاولة تقبّل واقع فقدان القدرة على الحركة، لكن الأطفال الذين كان يغني لهم من قبل أصبحوا مصدر قوته، يعيدونه إلى الميكروفون من جديد.
يُتابع: "الأطفال كانوا سبب رجوعي شعرت أن عليّ أن أكمل لأجلهم، حتى وأنا على كرسي متحرك."
الأطفال الذين كان يسعى لإسعادهم، أصبحوا اليوم من يعالجون روحه، تصل دعواتهم ورسائلهم من كل مخيم ومدرسة، تضمّد ما مزقته الحرب، وكأنهم يقولون له: "نحن لم ننسَك.. كما لم تنسَنا يومًا" يختم عبد الله نطنط حديثه معنا.
