في قلب غزة المحاصرة، حيث اختلطت أصوات القصف بصمت الحزن على مدار عامين كاملين، تتجلّى حروف آية أبو نصر كرمز للذاكرة الحية.
نجت من الموت مرات، لكنها لم تنجُ من فقد أكثر من 150 فردًا من عائلتها دفعة واحدة، ليرتفع صوت حرفها وسط هذا الركام، ليشهد باسم من رحلوا، ويكتب كي لا تتحول وجوههم إلى أرقام في سجلات حرب الإبادة الإسرائيلية.
النجاة التي جاءت بثمن باهظ
"أنا آية فرِح بركة أبو نصر.. عمري ثلاثون عامًا، إنسانة قبل أن أكون كاتبة"، هكذا بدأت شهادتها مع "وكالة سند للأنباء".
امرأة فلسطينية تحمل في قلبها أدوارًا كثيرة: أم وابنة وأخت وخالة وعمة، وصوت صغير وسط ضجيج الحرب، تحاول أن تلتقط أنفاسها بين الرماد، وتحافظ على ما تبقّى من الحياة بعد أن صار كل ما حولها رماديًا وثقيلاً.
نزحت آية منذ اليوم الأول للحرب إلى بيت العائلة، ولم تكن تدري أن النجاة تلك الليلة ستتركها وحيدة.
كانت تواسي أختها التي فقدت ابنها قبل أيام، حتى بدأ الاجتياح البري في ثالث أيام النزوح، وبعد خمسة أيام، استيقظت على مكالمة من زوجة أخي تنقل لها خبرًا مروعًا: "أخبرتني أنني فقدت أكثر من 150 فردًا من العائلة دفعة واحدة.
تستذكر آية تلك اللحظة الصادمة، وتشعر وكأن رأسها على وشك الانفجار من شدة الألم عند العودة إلى تفاصيلها: "حتى هذه اللحظة لا أصدق".
بعد المجزرة، لم تجد آية ملجأً غير الكتابة، أمسكت القلم كما يمسك الغريق بطوق نجاة، وبدأت تدوين الوجوه التي رحلت، وبيوتهم، وأصواتهم الداخلية.
تشير إلى أنها تكتب "ليعرف العالم أن عائلتي لم تكن أرقامًا، كانوا يحلمون ويحبون ويعيشون، ويطلبون السلام"، مضيفة أنّه مع الوقت تحوّل هذا البوح إلى كتاب ورقي حمل اسم: "في غزة نجا من مات ومات من نجا"، وثّق فيه شهادتها وشهادات آخرين، لتجعل من الكلمة حاجزًا يحمي الذاكرة من المحو.
لم تكن الكتابة سهلة، تقول آية إنها كانت تكتب أحيانًا على دفاتر الأطفال، وأحيانًا على قصاصات ورق متناثرة، حتى تحت القصف.
كثير من صفحاتها احترقت أو قُصفت، لكنها استمرت، لأن ما لم يُكتب سيتلاشى.
وتؤكد بصوتها المجروح: "الغزيون ليسوا أرقامًا ولا صورًا عابرة، نحن بشر نحب الحياة، نضحك رغم الألم، ونحلم رغم الجراح.. أريد أن تصل إنسانيتهم أولًا، وأن تُسمع أصوات الذين لم يتمكنوا من الكلام".
الناجون الآخرون.. قصص تتضافر مع صوتها
آية لم تكتفِ بعائلتها فقط؛ بل حرصت على توثيق أصوات أمهات فقدن أولادهن، أطفال بلا مأوى، نساء يحملن الجوع في يد والصبر في عين، جمعت الشهادات كما تُجمع الشظايا بعد انفجار كبير، محاولة أن تضمن أن لا يُنسى أحد من الغزيين في سجل العالم.
تقول: "كل اسم أكتبه، وكل قصة أسجلها، هو محاولة لإثبات أن الحكاية لم تنته، وأن هؤلاء لم يصبحوا مجرد رقم في سجلات الموت".
ولا ترى آية اليوم في كتابتها رفاهية، بل مسؤولية كبيرة، مسؤولية أن تكون شاهدة على ما جرى، أن تُحافظ على ذاكرة من رحلوا، وأن تروي قصصهم لمن سيأتي بعدنا، تُخبرنا: "كل طفل يضحك في غزة هو سبب جديد للتمسّك بالأمل.. لا نملك رفاهية اليأس".
